حكى في سيرة الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام صفة الاتفاق بينه وبين أبي العتاهية المذحجي ملك اليمن في عصره رضي الله تعالى عنه حين كان منه التسليم للإمام الهادي إلى الحق عليه السلام والتخلي من الملك امتثالا لأمر الله تعالى وقد أكرمه الله تعالى بعد ذلك بالشهادة بين يدي إمام الحق الهادي لدين الله سلام الله عليهم ورضوانه فهو من الذين آثروا الملك الكبير الباقي على الملك الحقير الفاني وكأن عدي بن زيد ينظر إليه حيث قال:
وتأمل رب الخورنق إذ اشـ=ـرف يوماً وللهدى تفكير
إلى قوله:
فرعوى قلبه وقال وما لذ=ة عيش إلى النفاذ يصير
نعم، قال في السيرة مالفظه
وكان أصحاب الهادي عليه السلام شبيهاً من مائة وخمسين فارساً؛ وشبيهاً من ستمائة راجل؛
فأتى يزيد بن علي الشاكري ورجل خثعمي يقال له أبو رفاعة؛
فقالا:
يا ابن رسول الله إنا نراك قد عزمت على حرب هذا الرجل، وليس معك عسكر، وقد يذكر أن مع هذا الرجل عسكراً عظيماً
فقال لهم:
أبشروا فإنه سيلقاني، فإن سلم إلي هذا الأمر وإلا ضربت عنقه، وأنتم داخلون صنعاء غداً إن شاء الله تعالى ومصلون فيها الجمعة بحول الله وقوّته، ثم أمر الطبريين أن يكونوا بين يدي العسكر، وكان مع علي بن محمد في ذلك اليوم اللواء
فقال:
بينما الناس في تعابيهم إذ أشرف عسكر أبي العتاهية في ذلك اليوم أربعمائة فارس وعشرة آلاف راجل، فلما نظر أبو العتاهية إلى عسكر الهادي عليه السلام عبّى عسكره ميمنة وميسرة وقلباً، ثم أرسل إلى الهادي رسولاً أن يلقاه في عشرة فرسان، فخرج الهادي ومعه ثلاثون فارساً، وأمر عسكره أن يلزموا مواضعهم على تعابيهم، فلما نظر أبو العتاهية إلى الهادي قد فصل عن عسكره خرج ومعه نفر من أصحابه ناحية حتى صار بين العسكرين، ثم أمرَ أبوالعتاهية أصحابه الذين كانوا معه بالوقوف، فبرز الهادي من أصحابه ناحية، فلما نظر إليه أبو العتاهية ركض نحوه وسار الهادي في لقائه، فلما قَرُب أبو العتاهية من الهادي عليه السلام رمى برمحه وكشف رأسه ونزل عن فرسه، فلما نظر الهادي إليه نزل عن فرسه، وأقبل أبوالعتاهية يحضر إلى الهادي حتى قبَّل رأسه ويديه، وجثى بين يديه، وجلس أبوالعتاهية والهادي عليه السلام معه يَعِظه ويدعوه إلى طاعة ربه، فسارع أبوالعتاهية، وقال:
استحلفني يا أمير المؤمنين، فاستحلفه الهادي وأخذ بيعته على القيام معه بالحق وعلى الحق، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن قال:
ثم دعا أبوالعتاهية أصحابه فبايعوا الهادي عليه السلام، ثم ركب أبوالعتاهية فرسه وجعل يأتي بجماعة بعد جماعة، فيستحلفهم الهادي عليه السلام على السمع والطاعة، ثم حلف أكثر العسكر، ثم تقارب العسكران واختلطا، وسلَّم بعضهم على بعض، فساروا جميعاً غير بعيد، وقرب وقت صلاة العصر؛ فنزل الهادي فتطهّر على غَيْل حدقان وأبوالقاسم.
قلت: يعني المرتضى عليه السلام.
قال: وأبو العتاهية، وصلّوا، وقرب وقت المغرب، فالتفت أبو العتاهية فقال:
امض جُعلت فداك على بركة الله إلى صنعاء.
فقال الهادي: أو نبيت هاهنا؟
فقال: اعمل برأيك غير أني لا أحب مبيتك هاهنا لما أحاذر من بني عمي على صنعاء.
إلى قوله:
فدخل صنعاء ليلة الجمعة لسبع ليال بقين من المحرم سنة 288 هـ ومعه أبو العتاهية بين يديه إلى آخر ماشرح.
وخلاصة ذلك:
أن عبدالله بن الجراح والجفاتم أقبلوا من السرِّ يركضون خيلهم إلى صنعاء، وكذلك آل طريف، واجتمعوا عشرة آلاف رجل وستمائة فارس، وقد دبَّروا أن يهجموا على الإمام الهادي وأصحابه وقت صلاة الجمعة، فلما خرج الهادي ورقى المنبر فخطب الناس خطبة بليغة أقبلوا، فوضعوا أيديهم في أثقال أصحاب الإمام الهادي، فأتاه بعضهم وهو على المنبر وأعلمه بما حدث في عسكره، فلم يلتفت إلى ذلك، ومضى في خطبته، ثم نزل فصلَّى بالناس، فخرج أبو العتاهية من المسجد يركض فرسه.
فقال لهم:
يامعشر العسكر تعلمون صنائعي إليكم، وأنا أميركم الذي تعرفون، أعطيكم أكثر مما كنت أعطيكم، وأزيدكم.
وجعل يرفق بهم فلم يقبلوا منه ماقال، فقالوا بأجمعهم: لا ، نريد العلوي، فناشدهم بالله وعرّفهم فضله، فخرج الإمام الهادي عليه السلام من المسجد وعَبَّى من كان معه، ثم سار إلى منزله وجلس مُشْرفاً على آل طريف والجفاتم، وأبو العتاهية معهم يكلّمهم ويرفق بهم، ولايزيدهم ذلك إلا طغياناً وكفرا،
فأمر الهادي عليه السلام أصحابه فاصطفّوا قدّام داره، وهو في مجلسه مشرفٌ عليهم، فأتاه أبوالعتاهية،
فقال له: يا ابن رسول الله لاتعجل عليَّ.
فقال له: انفذ إليهم فاصرفهم عن موضعهم؛ فوالله محمود لئن برزت إليهم لأنظمنهم في رمحي كما ينظم الجراد في العود.
فرجع أبو العتاهية إليهم فناشدهم بالله فلم يقبلوا منه، وحملوا عليه يرمونه بالنبل والحجارة، فطردوا أبا العتاهية، ووقع القتال بالقرب من دار الهادي عليه السلام.
وأتى أبو العتاهية إلى الهادي عليه السلام فقال له: اركب جُعلت فداك فإن القوم قد غشوك فركب الهادي فرسه، وأمر ابنه أبا القاسم فركب، وأمر أصحابه بالركوب فركبوا، وخرج الهادي من داره، فلما عاينه القوم - وكانوا هزموا أصحابه حتى أدخلوهم الدار - رجعوا إلى مواضعهم، وحمل عليهم وحْده، ومضى الهادي عليه السلام وطعن أول من لقي من القوم فقتله، ثم طعن آخر، ثم طعن آخر،حتى طرح منهم ثلاثة من خيارهم، ثم لحق الخيل فطعن فارساً فطرحه، وكان طعنه لهؤلاء القوم في حملته التي حمل عليهم، وصدق قوله فنظمهم في رمحه كما وعدهم،
فانهزم القوم حتى خرجوا من صنعاء، وخرج الهادي في آثارهم يطردهم وقتل الهادي عليه السلام عسكراً منهم في الجبَّانة، ثم لحقه أبو العتاهية.
فسأله الرجوع إلى منزله، فرجع إلى منزله ونزع سلاحه وأمر أصحابه بلزوم بابه، فأرسلوا إلى أبي العتاهية يسألونه الأمان فكلَّم لهم الهادي.
فقال له: افعل ماشئت.
فأرسل أبو العتاهية أنْ سيروا إلى منازلكم، فدخلوا صنعاء، فلما كان من الغد أمر الهادي منادياً ينادي بالعطاء للعسكر، وهدأ البلد واطمأنّوا ووضعت الفتنة، وسلم أبوالعتاهية جميع ماكان بيده من مال وإبل وخيل وسلاح وأثاث، وصيَّر أبا العتاهية على بعض أمره,
فقال له:
لا أريد يا أمير المؤمنين ذلك، وأريد أن أكون خادماً بين يديك، ولبس الصوف وأظهر الزهد.
وسمعت أبا القاسم محمد بن يحيى يقول: دخل علينا أبو العتاهية في بعض الأيام فنظرت إلى وجهه متغيراً، فقلت: لم تَعْمل بنفسك هذا وأنت تحتاج إلى نفسك؟ كُلْ من الطعام.
فقال: لا والله يا ابن رسول الله حتى يذهب هذا اللحم الذي قد حملته من الحرام ثم آكل.
ومما قاله الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام من الكامل:
الخيل تشهد لي وكل مثقَّف=بالصبر والإبلاء والإقدامِ
حقاً ويشهد ذو الفقار بأنني=أرويت حديه نجيع طغامِ
نهلاً وعلاً في المواقف كلها=طلباً بثأر الدين والإسلامِ
حتى تذكر ذو الفقار مواقفاً=من ذي المعالي السيد القمقام
جدي علي ذي الفضائل والنهى=سيف الإله وكاسر الأصنامِ
صنو الرسول وخير من وطيء الثرى=بعد النبي إمام كل إمام
المصدر : عيون المختار من فنون الأشعار والآثار..