البيعة الأولى
علم الإمام القاسم باستشهاد أخيه محمد بن إبراهيم وهو بمصر , فدعا إلى نفسه وبث الدعاة وهو على حال الإستتار , فأجابه عالم من الناس من بلدان مختلفه , وجائته بيعة أهل مكة والمدينة والكوفة وأهل الري (طهران حاليا) وقزوين وطبرستان والديلم وكاتبه أهل العدل من البصرة والأهواز وحثوه على الظهور وإظهار الدعوة , فأقام بمصر نحو عشر سنين.
وذاع صيته هنالك وانتشر خبره وكان بيته ملتقى للعلماء والباحثين والمناظرين , ومناظرة الملحد كانت في مصر , وتناهى إلى سمع المأمون خبره وخافه خوفا شديدا وضيق عليه , وتتبع أخباره وبعث الجواسيس عليه وعلى كل من يشك أن له به صلة.
ذكر الطبري : أن رجلا من إخوة المأمون قال له : يا أمير المؤمنين إن عبدالله بن طاهر -وكان والي مصر يومئذ- يميل إلى ولد علي بن أبي طالب وكذا كان أبوه من قبله.
قال : فدفع المأمون ذلك وأنكره , ثم عاد بمثل هذا القول , فدس إليه رجلا ثم قال له : إمض في هيئة القراء والنساك إلى مصر فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم طباطبا واذكر مناقبه وعلمه وفضائله ثم صِر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبدالله بن طاهر , ثم ائته فادعه ورغبه في استجابته له وابحث عن دفين نيته بحثا شافيا وائتني بما تسمع منه.
قال : ففعل الرجل ما قال له وأمره به حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء والأعلام قعد يوما بباب عبدالله بن طاهر وقد ركب إلى عبيدالله بن السري بعد صلحه وأمانه فلما انصرف قام إليه الرجل فأخرج من كمَّه رقعة فدفعها إليه فأخذها بيده فما هو إلا أن دخل فخرج الحاجب إليه فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه ما بينه وبين الأرض غيره وقد مدَّ رجليه وخُفَّاه فيهما فقال له : قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك فهات ما عندك قال : ولي أمانك وذمة الله معك ؟ قال : لك ذلك.
قال : فأظهر له ما أراد ودعاه إلى القاسم وأخبره بفضائله وعلمه وزهده فقال له عبدالله : أتُنصفني ؟ قال : نعم. قال : هل يجب شكر الله على العباد؟ قال : نعم. قال : فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان والمنة والتفضل؟ قال : نعم. قال : فتجيء إلي وأنا في هذه الحالة التي ترى لي خاتم في المشرق جائز وفي المغرب كذلك , وفيما بينهما أمري مطاع , وقولي مقبول , ثم ما التفتّ يميني ولا شمالي وورائي وقدامي إلا رأيت نعمة رجل أنعمها عليّ , ومنة ختم بها رقبتي , ويدا لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضلا وكرما , فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الإحسان , وتقول : اغدر بمن كان أولا لهذا وآخرا , واسع في إزالة خيط عنقه وسفك دمه! تراك لو دعوتني إلى الجنة عيانا من حيث أعلم , أكان الله يحب أن أغدر به وأكفر إحسانه ومنته , وأنكث بيعته! فسكت الرجل , فقال له عبدالله : أما إنه قد بلغني أمرك , وتالله ما أخاف عليك إلا نفسك , فارحل عن هذا البلد فإن السلطان الأعظم إن بلغه أمرك - وما آمن ذلك عليك - كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك.
فلما أيس الرجل مما عنده جاء إلى المأمون , فأخبره الخبر فاستبشر وقال : ذلك غرس يدي , وإلْف أدبي , وترْب تلقيحي , ولم يظهر من ذلك لأحد شيئا , ولا علم به عبدالله إلا بعد موت المأمون.
وشدد المأمون على الإمام القاسم وواليه في مصر حتى رصدا الجوائز لمن يدل على الإمام القاسم.
قال السيد أبو طالب : عن أبي عبدالله الفارسي -خادم القاسم وملازمه في السفر والحضر- قال : ضاق بالإمام القاسم عليه السلام المسالك واشتد الطلب , ونحن مختفون معه خلف حانوت أسكاف -صانع الأحذية- من خلصان الزيدية , فنودي نداء يبلغنا صوته : برئت الذمة ممن آوى القاسم بن إبراهيم , وممن لا يدل عليه , ومن دل عليه فله ألف دينار , ومن البز كذا وكذا. والإسكافي مطرق يسمع ويعمل ولا يرفع رأسه , فلما جاءنا قلنا له : أما ارتعت ؟! قال : من لي بارتياعي منهم ! ولو قرضت بالمقاريض بعد إرضاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله عني في وقايتي لولده بنفسي.
واشتد الطلب له هناك من عبدالله بن طاهر فلم يمكنه المقام , فعاد إلى بلاد الحجاز وتهامة , وخرج جماعة من دعاته من بني عمه وغيرهم إلى بلخ , والطالقان , والجوزجان , ومرَوْرُوذ فبايعه كثير من أهلها , وسألوه أن ينفذ إليهم بولده ليظهروا الدعوة , فانتشر خبره قبل المتمكن من ذلك , فتوجهت الجيوش في طلبه نحو اليمن -يعني جهة اليمن- -فاستنام- أي انحاز إلى حي من البدو واستخفى فيهم. وأراد الخروج بالمدينة في وقت من الأوقات فأشار عليه أصحابه بأن لا يفعل ذلك , وقالوا : المدينة والحجاز تسرع إليهما العساكر , ولا يتمكن فيهما من الميرة.
ولم يزل على هذه الطريقة مثابرا على الدعوة صابرا على التغرب والتردد في النواحي والبلدان , متحملا للشدة , مجتهدا في إظهار دين الله.
ولقد حاول المأمون كثيرا في مصافاة القاسم ليأمن جانبه , فلم يحصل على طائل.
حكى الإمام الهادي يحيى بن الحسين عن أبيه , أن المأمون كلف بعض العلوية أن يتوسط بينه وبين القاسم عليه السلام ويصل ما بينهما , على أن يبذل له مالا عظيما , فخاطبه في أن يبدأ بكتاب أو يجيب عن كتابه , فقال القاسم : لا يراني الله تعالى أفعل ذلك أبدا !!
وحمل الحروي -وهو حي من جذام- إلى الإمام القاسم سبعة أبغل عليها دنانير فردها , فلامه أهله على ذلك , فقال :
تقول التي أنا ردء لهــــــــا***وقاء الحوادث دون الردى
ألست ترى المــــال منهلّــة***مخــــارم أفواههــا باللهى
فقلت لها وهي لوامـــة***وفي عيشها لو صحت ما كفى
كفاف امرئ قانع قوتــه***ومن يرض بالعيش نال الغنى
فإني وما رمت في نيلـــــه***وقبلك حب الغنى ما ازدهي
كذي الداء هاجت لــه شهوة***فخــاف عواقبهـــا فاحتمى
ولما اجتمع أمره وقرب خروجه بعد وفاة المأمون وتولي محمد بن هارون الملقب بالمعتصم تشدد محمد هذا في طلبه , وأنفذ الملقب ببغا الكبير وأشناش في عساكر كثيرة كثيفة في تتبع أثره , وأحوج إلى الإنفراد عن أصحابه , وانتقض أمر ظهوره.
من كتاب مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم عليه السلام