يقول الله سبحانه في سورة هود : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (119)
عند قراءتي لهذه الآيات أتوقف عند تأويل ( ولذلك خلقهم ) علام يعود اسم الإشارة ( ذلك ) ؟
وعلام يعود الضمير ( هم ) ؟
وبعد الرجوع إلى كتب التفسير وجدت مطلبي وأحببت مشاركتكم لأنني أتوقع أن الكثير يشاركني في التساؤل .
تفسير الأعقم :
{ إلاَّ من رحم ربك } إلاَّ ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه
{ ولذلك خلقهم } أي ولرحمته خلقهم واللام لام العاقبة ، وقيل : وعلى الرحمة خلقهم .
وفي تفسير مجاهد :
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: « عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى » ، {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} : « فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ »
يَقُولُ {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قَالَ: « خَلَقَ خَلْقًا لِلْجَنَّةِ، وَخَلْقًا لِلنَّارِ »
وفي تفسير الطبري :
عن عطاء: (ولا يزالون مختلفين) ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، (إلا من رحم ربك) ، قال: هم الحنيفية.
وفيه عن ابن عباس قوله: (ولذلك خلقهم) ، قال: خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف،
وذلك قوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)
قال الطبري : فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم،
إذ كان لذلك خلقهم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، (إلا من رحم ربك) ، فهداه للحقّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم = فمعنى اللام في قوله: (ولذلك خلقهم) بمعنى "على" كقولك للرجل: أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي.
وفي الكشاف للزمخشري : يعنى لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمّة واحدة أى ملة واحدة وهي ملة الإسلام، كقوله ( إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) وهذا الكلام يتضمن نفى الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال ( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعنى: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره .