الفصل الثاني
كانت السنة الثالثة توشك أن تنقضي أيامها وعبد الله بن الحسن حبيس السجون في المدينة لا يمر عليه زمن
حتى يساومه الظالمون في ولده لكي يسلمه إليهم .. ليسفكوا دمه..
وكما ساوموا أبا طالب بالأمس ليسلم إبن أخيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طغاة قريش ليقتلوه .. ها هم اليوم يساومون عبد الله بن الحسن -حفيد أبي طالب- ليسلم ولده -محمد بن عبد الله(ع) إلى طغاة بني العباس ليقتلوه ..
وبعد طول انتظار وترقب من أبي جعفر .. أيقن أنه حان الوقت ليحسم هذا الأمر..
وعلم أن كل الناس عاجزون عن أن يأتوا بمحمد وإبراهيم ..
فأسرّ في قرارة نفسه أن يعالج الأمر بنفسه .. وعزم على الحج في ذلك العام الذي كان يوافق سنة 144 هجرية .. وأهم أهدافه هو وضع حدٍ لهذه القضية التي انكت قلبه .. وأثقلت كاهله ..
فلما أطلت الأشهر الحرم .. ودنت أيام الحج .. خرج أبو جعفر ليكون على رأس الموسم .. وبدأ رحلة طويلة .. لا يمر ببلدة إلا ونزل بها يتلمس الأخبار علّهُ يجد بُغيته ..
***
وفي المدينة علم الناس بقدوم أبي جعفر للحج في هذا الموسم .. فانشرحت صدور أقوام .. وضاقت صدور آخرين..
وكان من أشد القلوب ضيقاً وأكثرها خوفاً .. والي المدينة رياح بن عثمان المري..
فبماذا يجيب أبا جعفر .. إن سأله عن محمد وإبراهيم .. أيقول له: عجزت عن الإتيان بهما فيعزله عن ولايته .. أم كيف يجيبه إن سأله: أين ذهبت الأموال من بيت المال؟ .. ويا ترى كيف سيكون مصيره هل سيكون مصيره مصير زياد الحارثي، وابن القسري؟ أو أنه سيكون له شأن آخر؟
وهل سيعود بعد الإمارة صعلوكاً من صعاليك العرب .. يشبع يوماً ويجوع آخر؟ و هذا شيءٌ لا يطاق .. لا يطاق !! ..
***
كانت مثل هذه الأفكار والتساؤلات قد أسهرت ليله .. وسلبته راحته.. فخرج إلى المسجد الجامع .. مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أشد انفعاله..
وأمر أن يؤذن في الناس .. الصلاة جامعة ..
فاجتمع أهل المدينة .. ومن حضرها لاستقبال موسم الحج ..
وأقبل رياح .. فصعد المنبر .. وجعل ينظر إلى الناس نظرة من لو تمكن لضرب أعناقهم لفعل.. فقد صار يتهم الجميع ..
فبدأ رياح خطبته المُنْكَرة بذكر أهل المدينة.. وأفحش القول في كل من سكنها .. فسكت الناس ولم يجيبوه ..
ثم تحول إلى ذكر آل الحسن وخصوصاً محمداً وإبراهيم.. فجعل يقول: أين الفاسقين؟ الخالعين؟ المحاربين؟!
وتكلم بكلام رماهما فيه بالفاحشة ..
ثم تكلم في أمهما هند بنت أبي عبيدة.. فرماها بالمنكرات ..
فكبُر على أهل المدينة ما قاله رياح في آل الحسن .. لما يعرفون من فضلهم .. ومكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
وجعل من في المسجد يقولون بأعلى أصواتهم: سبحان الله .. سبحان الله .. الله أكبر .. الله أكبر ..
ففزع رياح من هذا الموقف .. وجعل يتوعدهم قائلاً:
- يا أهل المدينة .. إنكم لأكلُّ الناس عن شتمهما .. ألصق الله بوجهكم الذل والهوان .. أما والله لأكتبن إلى خليفة المسلمين.. فلأعلمنه غشكم وقلة نصحكم.
فارتفعت الأصوات من أطراف المسجد: والله لا نسمع منك يا ابن المحدودة.
وبدأوا يرمونه بالحصى .. فلم يجد من طريق أمامه إلا أن يولي هارباً .. فاقتحم دار مروان وأغلق عليه الباب.
وخرج الناس يتبعونه واصطفوا يريدون أن يقتحموا عليه داره .. وجعل الناس يشتمونه .. وينتصرون لآل بيت نبيهم .. ولكن عيون بني العباس وأنصارهم انطلقوا في أوساط الناس يخذلونهم ويحذرونهم نقمة الخليفة عليهم، وقرب وصوله إليهم .. فتراجع الناس .. وكف بعضهم بعضاً..
(2)
كان والي صدقات المدينة عين أبي جعفر ومحط ثقته -عبد العزيز بن سعيد- قد خرج إلى أبي جعفر .. فنقل له أخبار المدينة ..
ولما انتهى عبد العزيز من حديثه أظهرأبو جعفر الضيق والحسرة واليأس .. فكيف يصل إلى محمد وإبراهيم؟
وعلم الخليفة من هذه الأحداث أن أمر محمد وإبراهيم قد استفحل .. وأن كل ما بذله من أجل أن ينزع حب أهل البيت من قلوب الناس قد باء بالفشل..
وكان في مجلسه عبد الله بن عمران بن أبي قرة .. فالتفت إلى أبي جعفر وقال له:
- أتطمع أن يخرج لك محمد وإبراهيم .. وبنو الحسن مُخَلُّون؟ والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد.
كان لهذه المشورة عظيم الأثر في قلب أبي جعفر .. فقد علم أنه لم يطلقها إلا خبير بأحوال أهل المدينة .. ذو دهاء وفطنة..
أبو جعفر: يا عبد الله .. من أشار عليك بهذا الرأي؟
عبد الله: فليح بن سليمان.
فدعا أبو جعفر من ساعته مبعوثه الخاص أبا الأزهر المهري وقال له:
- يا أبا الأزهر .. إسبقني إلى المدينة .. وأْمر رياحاً أن يأخذ من بني الحسن .. حسناً وإبراهيم إخوة عبد الله بن الحسن .. وحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن.. وسليمان وعبد الله ابني داود بن الحسن بن الحسن .. ومحمد وإسماعيل وإسحاق أبناء إبراهيم بن الحسن بن الحسن .. وعبد الله وعباس ابني الحسن بن الحسن بن الحسن .. وأن يضعهم في السجن ويوقرهم بالحديد.
***
أقبل أبو الأزهر إلى المدينة .. ونقل إلى رياح ما قاله أبو جعفر .. فكان في هذا الأمر جلاء همه .. وذهاب حزنه .. وبادر رياح على الفور إلى تنفيذ الأمر..
فبعد أن عاد الناس إلى ديارهم بعد صلاة العشاء .. خرج قائد شرطة رياح مع جنوده ..فأقبلوا إلى دور بني الحسن على غرة ..
فجعلوا ينزعون الرجل من بين أهله وعياله .. لا يدري لأي شيء يطلبونه.. فيقيدونه بالحديد ويرسلونه إلى القبة التي فيها عبد الله بن الحسن ..
وأقبل الجنود على العباس بن الحسن المثلث وهو جالس على باب الدار .. وأمه عائشة بنت طلحة بن عمر تحدثه .. فلم يشعر إلا وقد أخُذ من أطرافه .. ووضعت القيود في يديه وقدميه..
فجعلت أمه تنادي: دعوني أشمه .. دعوني أشمه ..
قائد الجند: لا والله ما كنت حية في الدنيا.
وجمع بنو الحسن في سجن رياح بن عثمان المري ..
وخليت المحاريب من روادها .. وحلقات العلم من شيوخها .. وأقفرت شوارع مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبناء سبطه الأكبر ..
لم يبق حراً طليقاً من آل الحسن ممن له شأن ومكانة في قلوب الناس إلا علي بن الحسن المثلث الذي كان يسمى علي العابد.. فضاقت به أرجاء المدينة واستوحش من أهلها..
فلما صلى الفجر .. أقبل على رياح وهو جالس في رحاب المسجد النبوي مع جمع من رفاقه .. فوقف جانباً ينظر إلى رياح .. ثم تقدم نحوه متلففاً في ساج له ..
رياح: مرحباً بك وأهلاً وسهلاً.
علي العابد: جئت لتحبسني مع قومي.
رياح: من علي.. العابد؟! أما والله ليعرفها لك أمير المؤمنين .. خذوه فألحقوه بأهله.
وضاق السجن بمن فيه من بني الحسن، وزياد بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن خالد القسري، وأخيه، وكاتبه رزام ..
فمن يحمي النساء إن غاب حاميها؟! ..
ومن للشيخ الكبير؟ .. ومن للطفل كي يرعاه؟
نفسي الفداء للقاطنين بسجنهم .. والهاجرين ديارهم ..
هرباً بدين الله من نفي الطغاة ..
وأرسل عبد الله بن الحسن يستأذن أن يشتري لهم داراً تسعهم يكون سجناً لهم.. وإن كان السجن هو السجن حتى ولو كان باتساع الأرض..
وبعد طول انتظار أتت الرسل بإذن رياح .. فاشترى عبد الله داراً واسعة فنقلوا إليها..
***
وعلم محمد وإبراهيم بما حل بأهلهما .. فاشتد حزنهما.. وعظمت بلواهما.. فتوجها نحو المدينة رغم الخوف والخطر.. حتى وصلا إلى الدار وليس فيها إلا أمهما هند بنت أبي عبيدة..
محمد: أماه.. إني قد حمّلت أبي وعمومتي ما لا طاقة لهم به.. ولقد هممت أن أضع يدي في أيديهم .. فعسى أن يُجلى عنهم..
هند: لا تفعل يا بني حتى يأتيك رأي أبيك.
محمد: ومن يكون رسولي إلى أبي .. وقد ضيق رياح على الرسل؟!
هند: أنا يا بني أتنكر فآتيه في هيئة الرسل .. ثم آتيك برأي أبيك.
وغيرت من لباسها .. حتى صارت كهيئة الرسل..
ثم خرجت إلى الدار التي فيها آل الحسن .. فأذن لها في الدخول على أنها رسول إليهم ..
فلما دخلت عرفها عبد الله بن الحسن .. فأسرع إليها ..
عبد الله: خيراً يا امرأة .. ما أخرجك من بيتك على مثل هذا الحال .. عسى أن لا يكون قد وقع بمحمد وإبراهيم مكروه.
هند: لقد تركتهما في الدار .. فقد أتاني محمد وقد ضاقت نفسه لسجنكم .. وأراد أن يأتيكم ويضع يده في أيديكم .. ليفك عنكم أسركم.
عبد الله: كلا .. بل نصبر .. فو الله إني لأرجو أن يفتح الله به خيراً ..قولي له فليدع الأمر .. وليجد فيما هو فيه .. فإن فرجنا بيده.
فخرجت هند من السجن وعادت إلى دارها .. فأخبرت ولديها برأي أبيهما وأثنت الإمام عن عزمه.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|