الفصل الثالث
توالت الثورات على دولة بني أمية وتفاقمت الأمور على مروان بن محمد .. فقد ثار أبو مسلم الخراساني وأبو سلمة الخلال في خراسان .. وزحفت الجيوش الخراسانية بقيادة أبي مسلم وأبي سلمة .. فلم تثبت لها الجيوش الأموية .. وتقدمت حتى صارت تعسكر في أطراف العراق.
فلما علم بنو العباس بذلك خرجوا من المدينة متخفين يطلبون العراق للقاء دعاتهم.
ودخل الجيش الخراساني الكوفة سنة 132ه .. وقام أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ليبايع الناس له .. بعد أن علم أن مروان بن محمد قد قتل أخاه إبراهيم.
وجعل الجيش الخراساني يحرر البلاد الإسلامية من بقايا الجيوش الأموية .. وتوالت الهزائم بالجيش الأموي .. وبعد كل هزيمة يفقدون بلداً .. حتى قتل مروان بن محمد سنة 133هجرية..
واستيقظ شيعة أهل البيت (ع) بعد أن خاضوا عشرات المعارك ضد بني أمية ليروا من يعتلي عرش الخلافة .. مؤملين أن يروا ذلك الذي بايعوه بالأمس.. وهتفوا باسمه مراراً -محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)- وقد جلس على كرسي الخلافة..
وإذا ببني العباس وأعوانهم قد أخلفوا أهل البيت الموعد .. وأجلسوا أبا العباس (السفاح) على عرش الخلافة وأحاطوها بقضبان من الإرهاب يحكمون الناس بالحديد والنار.
***
وأدرك أهل البيت أن الأمر قد خرج من أيديهم .. وأن أي تحرك سيكون مكشوفاً.
فأمراء بني العباس ليسوا كملوك بني أمية .. لأنهم دعاة أهل البيت وموضع سرهم ..يعرفون خواصهم وشيعتهم .. وأماكن تخفيهم وحيث ينزلون .. وكيف يتحركون..
لقد أصبحت معركة اليوم تتحدد معالمها .. أنها معركة مع أصدقاء وإخوان الأمس وأعداء اليوم لذا صارت كفة أهل البيت في هذه المعركة مغلوبة لا محالة.
فبمن يثقون؟ إذا خان الثقات أماناتهم.
وإلى من يأنسون؟ إذا صار أنيس الأمس يصقل مديته ليذبحهم.
لقد صاروا بالفعل:
غرباء .. في أوطانهم.
أسارى .. في دولة يحكمها إخوانهم.
***
وبدأت المرحلة الثانية لتوطيد أركان الخلافة العباسية..
فبعد أن تم القضاء على ملك بني أمية أقبل السيف العباسي .. لينال من كل من له أي صلة بأهل البيت .. وليت الأمر توقف عند هذا الحد .. بل صدرت الأوامر من قصر الخلافة العباسي .. ((من اتهمتموه فاقتلوه)).
وصار جلاوزة بني العباس يحكمون الناس بالحديد والنار .. يسفكون الدماء في كل مكان .. ولم يكتفوا بقتل أعدائهم .. فقد قتلوا حتى أصدقاءهم .. بتهمة ميلهم إلى آل علي بن أبي طالب (ع)..
فقتلوا أبا مسلم الخراساني، وأبا سلمة الخلال .. وهما من شيدَّ لبني العباس خلافتهم .. وحملاهم على رقاب الناس.
ثم تطاول ذلك السيف لينال حتى من بني العباس أنفسهم، ولم يتورعوا في قتل كل من يخافونه على ملكهم.
ولم يجد أولاد عبد الله بن الحسن من طريق ينجيهم من حد ذلك السيف الغاشم .. إلا الإستتار والتخفي فلم يعرف لهم أحدٌ طريقاً ..
(2)
بعد أن استقر حكم بني العباس .. وخضعت لهم البلاد والعباد .. أقبلت الوفود من جميع البلدان مباركة للخلفية الجديد خلافته.
وأقبل وفد أهل المدينة ومعهم وفد بني هاشم على رأسهم عبد الله بن الحسن وأخوه الحسن بن الحسن إلى أبي العباس السفاح .. لعلهم بلقائه والقرب منه يكفيهم شره ونقمته .. فاستقبلهم أبو العباس وأحسن إليهم .. وآثرهم على غيرهم.
فلما انصرف الناس من مجلسه استبقى عبد الله بن الحسن فحدثه طويلاً .. وأمر أن لا ينصرف عن العراق قبل أن يبقى ضيفاً عليه مع أخيه.
ولم تمض أيام حتى أرسل أبو العباس في طلب عبد الله بن الحسن.. فلما دخل عليه استقبله أبو العباس في ثوب واحد، وليس عليه شيء من لباس الملوك وقال له:
- ما رأى أحدٌ غيرك أمير المؤمنين وهو على هذا الحال ولكني إنما أعدك عماً ووالداً..
ثم جلسا يتحادثان طويلاً، ثم قام عبد الله يريد الإنصراف..
فقال له أبو العباس:
-ولكني أحب أنْ أحدثك عن شيء.
عبد الله: ما هو يا أمير المؤمنين؟.
أبو العباس: حدثني يا عبد الله عن ولديك محمد وإبراهيم .. ما خلّفهما ومامنعهما أن يفدا إلى أمير المؤمنين مع أهل بيتهما؟.
عبد الله: ما كان تخلفهما لشيء يكرهه أمير المؤمنين.
وصمت أبو العباس بعد ذلك.. ثم جال بفكره إلى أحداث الماضي وبيعته لمحمد بن عبد الله .. ثم ذكر بعض ما ذكر في الروايات من أن أبا جعفر يقتل محمداً وإبراهيم.
فرفع نظره إلى عبد الله وقال له:
- اسمع يا عبد الله .. لقد غيبتهما بعينك .. أما والله ليقتلن محمد على سلع ، وليقتلن إبراهيم على النهر العباب.
نكس عبد الله نظره إلى الأرض .. ولم يجب أبا العباس بشيء.. ثم استأذن للإنصراف فمضى إلى حال سبيله .. ولما أراد عبدالله الرجوع إلى المدينة لم يأذن له أبو العباس في الخروج من العراق، وجعل يرسل في طلبه المرة تلو الأخرى .. وفي كل مرة كان لا ينصرف عبد الله من مجلس أبي العباس السفاح حتى يسأله عن أمر ولديه..
***
كان الحسن المثلث يرى أخاه عبد الله وكثرة تضجره وضيقه كلما عاد من مجلس أبي العباس فأقبل عليه يوماً وقال له:
- ما لي أراك مكتئباً يا عبد الله؟!.
فقص عليه عبد الله ما جرى بينه وبين أبي العباس.
الحسن: هل أنت فاعل ما أقول لك؟.
عبد الله: ما هو؟.
الحسن: إذا سألك عنهما .. فقل عمهما الحسن أعلم الناس بهما.
عبد الله: وهل أنت محتمل ذلك لي؟
الحسن: نعم.
وما هي إلا أيام حتى كان رسول أبي العباس يبلغ عبد الله أن الخليفة يطلبه للحضور إلى مجلسه.
فلما دخل عليه .. رحّب بمجيئه وأجلسه إلى جواره..
أبو العباس: يا عبد الله إن رصافة أبي العباس تم بناؤها بالأنبار .. فادخل معي فانظرها.
وخرج موكب أبي العباس إلى الرصافة .. فلما دخلوها جعل عبد الله ينظر إلى تلك القصور الفخمة، والحدائق الجميلة الواسعة، وما يبهر العقول من المتاع الزائل .. فعلم أنه إنما تغيرت الوجوه والأسماء .. وأن ملوك بني العباس سينحون نحو من قبلهم من ملوك بني أمية .. فيحيلون الخلافة الإسلامية إلى قيصرية أو كسروية.
فاراد عبد الله أن يزهد أبا العباس في هذه القصور فأنشأ يقول:
- ألم تر حوشباً..
وفجأة توقف عبد الله ولم يكمل .. لقد ذكر أن أبا العباس قد يسيء فهمه .. فيكون في ذلك حتفه وحتف أهله.
ولكن أبا العباس كان قد سمع الكلمة الأولى من البيت .. فالتفت إلى عبد الله قائلاً: أنفذه.
عبد الله: يا أمير المؤمنين .. ما أردت إلا خيراً.
أبو العباس: أقسمت عليك أن تنفذه.
فأقبل عبد الله ينشد:
ألم تر حوشباً أمسى يُبَنِّي ... بيوتاً نفعها لبني نفيلة
يؤمل أن يعمر ألف عام ... وأمر الله يطرق كل ليلة
فاحتملها أبو العباس وسكت..
فلما أراد عبدالله الإنصراف.. إلتفت إليه أبو العباس قائلاً:
- يا عبد الله ما خبر محمد وإبراهيم ألم يأتيا ليسلما على أمير المؤمنين؟.
عبد الله: يا أمير المؤمنين .. عمهما أعلم الناس بهما .. فاسأله عنهما.
فسكت أبو العباس، وانصرف عبد الله.
وفي تلك اللحظة أرسل أبو العباس من يأتيه بالحسن بن الحسن.
دخل الحسن مجلس الخليفة، فبادر إليه فقص عليه الأمر .. فلما انتهى تقدم إليه الحسن حتى صار واقفاً بين يديه.
الحسن: يا أمير المؤمنين.. أكلمك على هيبة الخلافة .. أو كما يكلم الرجل ابن عمه.
أبو العباس: بل كما يكلم الرجل ابن عمه، فإنك وأخاك عندي بكل منزلة.
الحسن: إني أعلم أن الذي هاج لك ذكرهما بعض ما قد بلغك عنهما .. فأنشدك الله هل تظن ان الله إن كان قد كتب في سابق علمه أن محمداً وإبراهيم يليا من هذا الأمر شيئاً، ثم أجلبت أهل السماوات والأرض بأجمعهم على أن يردوا شيئاً مما كتب الله لمحمد وإبراهيم أكانوا راديه؟
أبو العباس: لا والله ما هو كائن إلا ما كتب الله.
ثم تظاهر بالإقتناع والندم وقال للحسن:
- فلست بعارض لذكرهما بعد في مجلسي هذا ما بقيت إلا أن يهيجني شيء فأذكرهما.
***
عاد الحسن المثلث مع أخيه عبد الله بعد هذا اللقاء إلى المدينة وقد أدركا أن أبا العباس السفاح وأخاه أبا جعفر لن تطمئن نفساهما حتى ينالا من محمد وإبراهيم .. فأمرهما والدهما ساعة وصوله إلى المدينة بالخروج من المدينة والتخفي .. وبدءا رحلةً من التشرد والخوف..
ولم تمض بضعة أشهر حتى وصل رسول الخليفة يطرق أبواب آل الحسن..
فلما دخل على عبد الله بن الحسن وضع بين يديه رسالة الخليفة .. وفتحها عبد الله فإذا فيها:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
فأدرك عبد الله أن هناك من لا يكف عن الوشاية به وبولديه عند الخليفة..
فأخذ رقعة ودواة.. وكتب:
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... بمنزلة النياط من الفؤاد
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... وزندك حين يقدح من زناد
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... وأنت لهاشم رأسٌ وهادي
وطوى الرقعة وردها مع رسول الخليفة.
(3)
لم يكن بنو العباس ليشعروا بالاطمئنان وهم يعلمون أن محمد بن عبد الله حي يرزق..
فأنى لهم بالأمان وصاحب الحق الذي بايعوه بالأمس ثم نزوا على حقه ونكثوا بيعته .. لا زال يتنقل من بلد إلى بلد .. وقلوب الناس معلقة به؟.
كان والي المدينة في تلك الفترة هو زياد بن عبد الله الحارثي .. وكان كاتبه حفص بن عمر من أشد الناس حباً لآل محمد .. فكان لا يعقد زياد أمراً فيه إضرار بآل محمد إلا ودفعه حفص عنه بلطافة القول والحجة والإقناع.
وفي عام 136هجرية أقبلت الأخبار من العراق بأن أبا جعفر سيحج بالناس في هذا الموسم .. ولما كان حفص بن عمر يعرف شدته وقسوته وإصراره على طلب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن .. أرسل إلى عبد الله يخبره الخبر.
فلما وصلت رسالته إلى عبد الله أرسل في طلب ولديه.
فلما دخلا عليه حدثهما قائلاً:
- إن أبا جعفر سيحج بالناس في هذا العام .. وأنتما تعلمان من أمره ما أعلم .. ولست آمن عليكما البقاء في المدينة .. ولا ما حولها فإن الرجل شديد في أمركما.
محمد: فما ترى أن نفعل يا أبي .. فقد كرهنا كثرة الإنتقال والتخفي.
عبد الله: صبراً يا بني .. فلك في عمك زيد وولده قدوة.
إبراهيم: فأي البلاد ترى يا أبي أنها لا تنالها يد هذا الطاغية.
عبد الله: أرى أن تتوجها إلى اليمن .. فإني أظنه لا يقدر عليكما هناك.
وحينا تجهزا على الفور للسفر وودّعا أباهما وأهلهما وداع من لا يدري أيكون له بأهله بعد هذا السفر لقاء؟.. أم أن هذا هو اللقاء الأخير؟
***
ولم تمض أيام على سفرهما حتى أقبل موكب ولي العهد والناس يسيرون معه .. فلما اقترب من المدينة نزل بالربذة .. فخرج إليه أهل المدينة يستقبلونه. وخرج معهم أهل البيت (ع) .. فقسم في الناس أموالاً كثيرة .. وأمر من جاءه من آل أبي طالب بعدم الإنصراف، فلما انصرف الناس .. جعل يسألهم عن محمد و إبراهيم .. فلم يجد عندهم جواباً.
***
كان أبو جعفر يظهر الإهتمام بأمر محمد وإبراهيم .. فلما دخل المدينة .. وجلس واليها زياد بن عبد الله الحارثي بين يديه قال له أبو جعفر:
- يا زياد .. اخرج فاشترِ ما استطعت من عبيد أهل المدينة.
زياد: سمعاً وطاعة يا مولاي.
فلما أقبل زياد بن عبد الله بالعبيد وازدحم بهم دار الأمارة قال لهم أبو جعفر:
- أَمْنِكم من لا يعرف محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم؟
فأجابه الجميع: بل نعرفهما.
أبو جعفر: فأنا أعطي كل واحد منكم البعير والبعيرين .. فانتشروا في المدينة وما جاورها .. فمن وجد محمداً وإبراهيم في مكان فليأتني بخبرهما .. وله عندي ما يسره.
فانطلقوا على الفور كل يريد أن يظفر بالجائزة.. وبقي زياد الحارثي عند أبي جعفر.
زياد: وماذا يهمك من أمرهما يا مولاي؟ أنا آتيك بهما.
أبو جعفر: إذا فابق على عملك في المدينة.
(4)
بقي أبو جعفر في المدينة إلى بداية عام 137هجرية .. لعله يظفر بولدي عبد الله بن الحسن، ولكن الله أراد ما لا يريد أبو جعفر فقد أتته الأخبار بوفاة أخيه السفاح.. فانشغل عن البحث عنهما بجمع الناس وعقد البيعة لنفسه..
ثم سارع في المسير إلى بغداد .. بعد أن أتته الأخبار أن عمه عبد الله بن علي قد أخذ البيعة لنفسه من أهل الشام.
وبعد حروب طويلة ومعارك دامية بينهما دانت له البلاد واعتلى عرش الخلافة.. وأصبح فؤاد أبي جعفر فارغاً من كل شيء إلا من أمر كان يُعكّر عليه صفوه .. وينغص عليه راحته.
ففي كل يوم جديد كان يأتيه جاسوس من جواسيسه بخبر جديد عن محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم .. فخبر يخوفه وخبر يطمئنه..
وبينما أبو جعفر على هذا لحال .. إذ وصل وفد أهل خراسان إلى بغداد يريدون لقاءه.
فأمر بإدخالهم عليه .. فأحسن استقبالهم .. وجعل يكثر النظر إلى وجوههم .. وكأنه يبحث عن رجل يعرفه قد التبس عليه بينهم.
فلما أرادوا الإنصراف .. أذن لهم.. فلما بلغوا باب إيوانه صاح بأحدهم:
- أنت يا رجل .. ابق لا تذهب معهم.
توقف الجميع .. لم يعرف أحد منهم من هو المقصود..
فأشار أبو جعفر إلى رجل منهم حسن الوجه .. ظاهر الهيبة وقال له: أقصدك أنت.
فعاد الرجل وجلس بين يدي أبي جعفر.. وانصرف أصحابه.
أبو جعفر: ما إسمك يا رجل؟.
الرجل: إسمي عقبة بن مسلم بن نافع .. من جند أمير المؤمنين وخدمه.
أبو جعفر: ممن أنت؟ ..
عقبة: من الأزد .. ثم من بني هناءة.
أبو جعفر: إني لأرى لك هيئة وموضعاً .. وإني أريدك لأمر أنا به معني .. لم أزل أرتاد له رجلاً عسى أن تكون هو .. إن كفيتنيه رفعتك.
عقبة: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين فيّ..
أبو جعفر: فاخف شخصك واستر أمرك.. وأتني
في يوم كذا.. في وقت كذا.
فانصرف الرجل .. ثم أتى في الموعد الذي أمره أبو جعفر بالدخول عليه فيه بينما كان أبو جعفر ينتظر مجيئه.. فلما دخل عليه قال له أبو جعفر:
- اسمع يا رجل .. إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيداً لملكنا.. واغتيالاً لنا.. ولهم شيعة في خراسان في قرية كذا .. يكاتبونهم .. ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف بلادهم.. فاخرج بأكسية وألطاف حتى تأتيهم متنكراً بكتاب تكتبه على أهل القرية .. ثم تسير ناحيتهم .. فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب..وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك .. وكنت على حذر واحتراس منهم. .واعلم أنك ستلقى عبد الله بن الحسن متقشفاً متخشعاً .. فإن جابهك -وهو فاعل- فاصبر وعاوده .. فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته .. فإذا ظهر لك ما في قلبه .. فعجل إليّ
ففهم عقبة مهمته وانطلق نحو المدينة..
***
كان العام 138هجرية قد دخل عندما وصل عقبة إلى المدينة..
فأقبل إلى دار عبد الله بن الحسن .. فدخل عليه .. فلما رآه عبد الله أنكره .. وكان كلما زاد الرجل تقرباً من عبد الله .. زاد عبد الله نفوراً منه .. فجعل عقبة لا ييأس ولا يمل..
فلما رأى عبد الله إصراره قبل منه صلته .. وأحسن إليه وقربه نحوه .. فأطال اللبث في المدينة..وتكنى بأبي عبد الله وأظهر التقوى والتبتل.
وفي أحد الأيام دخل عليه عبد الله بن الحسن فقال له: يا أبا عبد الله أليس لك فراغ فتعلم هذين الصبيين الشعر..
عقبة: ولمن يكونان؟
عبد الله بن الحسن: هما لولدي محمد .. فهذا علي .. وهذا الحسن.
عقبة: مُرني بما شئت يا أبا محمد .. ولكن يا أبا محمد قد طال انتظاري .. فمتى يخرج ولدك محمد.
عبد الله: صبرا يا أبا عبد الله .. فإنه إن شاء الله يخرج وقت كذا وكذا.
كان عبد الله بن الحسن قد اطمئن إلى هذا الرجل .. فقد أظهر عقبة من التنسك ما لا يفعله إلا صادق .. أو من بلغ مبلغاً من المكر، فلم يُر في نهاره مفطراً قط.. يقوم الليل ويصوم النهار ويشغل كل وقته بالذكر وقراءة القرآن، فنال بذلك ثقة آل الحسن .. حتى صار شريكهم في مطعمهم ومشربهم وسرهم وعلانيتهم..
في حين كان موسى بن عبد الله ينظر إلى عقبة بعين الشك..
ولما كان موسى من أشد الناس إلتصاقاً بأبيه فقد كان عقبة يتقرب إليه لعلمه بأن أباه لا يكتم عنه سراً لفرط محبته له.
***
وفي أحد الأيام.. أقبل عقبة يلاطف موسى.. حتى ظن عقبة أن موسى قد اغتر به..
عقبة: يا موسى إن أخاك محمداً الإمام يكثر الغياب .. ولا يأتينا إلا من حين إلى آخر .. أما فيكم من يعرف أين يغيب كل هذا الوقت.
موسى: وما شأنك يا رجل بهذا الأمر؟.
عقبة: لا شيء يا مولاي .. ولكن أخاف أن يناله أذى وهو بعيد عنكم.
ازدادت ريبة موسى في عقبة بن مسلم .. فأقبل موسى على أبيه وقال له:
- اعلم يا أبي والله إنه عين .. فأْمرُهْ بالشخوص .. فهو الذي لا يخفي عن أبي جعفر شيئاً من أمرنا.
فأمر عبد الله بن الحسن عقبة بن مسلم المتسمى بأبي عبد الله بالشخوص .. إرضاء لولده موسى وثقة برأيه ..
وعاد عقبة إلى أبي جعفر بأخبار آل الحسن .. فأكرمه وأحسن إليه ورفع مقامه..
ثم أرسل أبو جعفر في طلب الفضل بن صالح بن علي..فلما حضر بين يديه قال له أبو جعفر:
- اسمع يا فضل .. هذا موسم الحج قد أقبل .. وقد جعلتك أميراً على الحج لهذا العام .. فاجلس إلى عقبة ليقص عليك ما رآه عند آل الحسن.
فجلس الفضل إلى عقبة وجعل يقص عليه كل ما رآه أو سمعه ولم يخف عليه شيئاً .. فلما أكمل حديثه قال أبو جعفر مخاطباً الفضل:
- إن وقعت عيناك على محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن فلا يفارقانك .. وإن لم ترهما فلا تسأل عنهما..
واستعد الفضل بعد هذه الوصية للتوجه إلى المدينة .. وحين توجه إلى المدينة وأشرف على دخولها كان أهل المدينة قد علموا بمجيئه فخرجوا لاستقباله، وفيهم عبد الله بن الحسن وسائر بني الحسن إلا محمداً وإبراهيم .. فبقي الفضل لا يسأل عبد الله عن شيء حتى أحرم للحج.
الفضل: ما منع ابنيك أن يلقياني مع أهلهما؟
عبد الله: ما منعهما من ذلك لا ريبة ولا سوء .. ولكنهما مهتمان بالصيد واتباعه .. لا يشهدان مع أهلهما خيراً ولا شراً..
فسكت الفضل عن عبد الله .. وتقدم ليجلس في مكان مرتفع قد أعد له .. فأمر عبد الله أحد رعاة أغنامه أن يحلب حليباً في إناء كبير ويخلطه بالعسل ويقدمه للفضل على دكته..
فلما أقبل الراعي بالإناء على الفضل ظن الفضل أن عبد الله يريد بذلك قتله .. فقال للراعي- وقد اشتد غضبه: إليك يا ماص بظر أمه!! .. فأدبر الراعي خائفاً فزعاً..
فلما رأى عبد الله بن الحسن ما فعله الفضل، حمل الإناء من الراعي .. وأقبل به إلى الفضل- وكان عبد الله من أشد الناس رقة ولطافة فوضعه بين يدي الفضل .. فلم يجد أمامه إلا أن يشرب منه استحياءً من عبد الله بن الحسن ..
***
دخل الفضل على والي المدينة زياد بن عبد الله الحارثي ولما جلس إلى جواره قال له:
- ماذا فعلت بما تكفلت لأمير المؤمنين القيام به..
زياد: كما ترى يا مولاي .. فاسأل أهل المدينة عن سيري فيهم.. تعرف أني أشد الناس حرصاً على صلاح البلاد والعباد.
الفضل: ما عن هذا سألتك .. إنما أقصد محمداً وإبراهيم ابني عبدالله بن الحسن.
زياد: إني لا آلو جهداً في تتبع أمرهما ..ولو سنحت لي فرصة لكانوا في قبضة أمير المؤمنين منذ زمن.
الفضل: فاحرص علىهذا .. فإن أمير المؤمنين قلق بشأنهما.
ولما خرج زياد بن عبد الله من مجلس القضاء .. تقدم نحو الفضل رجل يسمى عبد العزيز بن سعد فقال للفضل:
- يا مولاي إن لزياد كاتباً يسمى عمر بن حفص.. شديد الولاء لآل أبي طالب.. فلا يعزم زياد على أمر إلا ويرده عنه..
الفضل: فاكتب بذلك إلىأمير المؤمنين.
فكتب عبد العزيز بذلك إلى أبي جعفر المنصور .. فلم تمض مدة من الزمن حتى كان رسول أبي جعفر يطرق باب زياد .. يأمره أن يرسل معه كاتبه عمر بن حفص مكبلاً بالحديد، فلم يجد زياد مفراً من الاستجابة لهذا الأمر.
وبعث زياد برسالة إلى عيسى بن علي وعبد الله بن الربيع الحارثي يرجوهما أن لا يتركا جهداً في تخليص عمر بن حفص من قبضة أبي جعفر.. ففعلا ذلك حتى أخرجاه من سجنه..
(5)
كان أبو جعفر قد ضيق على آل الحسن .. فلم يتمكن شيعتهم من الوصول إليهم .. وحصرهم في معائشهم حتى بلغت بهم الحاجة كل مبلغ .. وكان يرسل من يأتيه بأخبارهم الرسول تلو الرسول.
وها هو أحدهم يسرع نحو قصر الخلافة بعد أن أنهى مهمته يحمل إلى أبي جعفر ما سره من أخبار آل الحسن بالمدينة.
الرسول: يا مولاي.. لقد صار أحدهم لا يجد ما يسد جوعه.. ولا ما يستر عورة عياله.
أبو جعفر: إذاً أظفر بمحمد وإبراهيم هذا العام.. أين أمين بيت المال؟
فلما دخل عليه قال له:
- انظر إلى آل أبي طالب كم يكون عددهم في الديوان .. ثم أعد لكل فردٍ منهم مبلغ كذا وكذا من المال. وكذا وكذا من الكساء.
فلما اعد له ذلك أمر بإحضار رجل من خيار رجاله وأشدهم وفاءً له، فسلم إليه تلك الأموال ثم قال له:
- اسمع يا هذا .. أخرج بهذه الأموال فأقبل على المدينة.. ولا تدخلها ولكن ابق خارجها.. فإذا سألك الناس لأي شيء أتيت.. فقل جئت لأقسم صلة أمير المؤمنين في آل أبي طالب.. ولا أعطي أحداً شيئاً إلا يداً بيد.. فمن أحب منهم أن يأخذ نصيبه فليخرج إلي.. فإذا خرجوا إليك أعطيت كل من أتاك .. حتى إذا أقبل عليك محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم أخذتهم إليك.. وذبحتهم من ليلتك.
فانطلق الرجل نحو المدينة حاملاً معه تلك الأموال وهو حريص أشد الحرص على تنفيذ وصية أبي جعفر..
***
كانت أحوال بني الحسن تشتد كل يوم سوءاً.. فقد أزراهم الفقر.. وضاقت بهم السبل.. فلما أقبل رسول أبي جعفر إليهم.. ألجأتهم الظروف إلى الخروج إليه.. فكان من أتاه أعظم له العطاء.. فيعود إلى داره.. فيطمع من لم يخرج..
وأقبل عبد الله على ولديه محمد وإبراهيم .. فرأى سوء حالهم وشدة حاجتهم وكثرة عيالهم .. فبكى واشتد حزنه..
إبراهيم: أبي.. أترى أن نخرج لأخذ عطائنا من هذا الرجل؟
عبد الله: والله يا بني .. إنك لو أقبلت عليه ما رجعت إلى دارك .. ولسارع إلى ذبحك فإنما هذا طُعْم أراد به قتلكما.
محمد: أتعني يا أبي أن أبا جعفر إنما قصد بهذا كله الوصول إلينا.
عبد الله: نعم يا بني.. فوالله لقد بلغني عن هذا الفاسق الذي أرسله أبو جعفر أنه وقف بالقادسية وجعل يحد مديته أمام بعض الناس.. ويقول بهذا أذبح ابني عبد الله بن الحسن.
محمد: لنا الله يا أبي .. يكفينا شر هذا ويرزقنا من عنده.
***
وطال انتظار ذلك الرجل ولم يبق بين يديه إلا نصيب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن .. فلما طال انتظاره أتته رسل أبي جعفر تأمره بالعودة.
وعاد إلى أبي جعفر يجر أذيال الخيبة بعد أن خاب سعيه وذهب رجاؤه فيما أمّل..
فاشتد غضب أبي جعفر وضاقت عليه دنياه .. فأضمر في نفسه أن يحج في ذلك العام ويضع لهذا الأمر حداً..
***
كان محمد وإبراهيم قد أقبلا على أبيهما قبل موسم الحج بأيام..
محمد: أبي لقد طال تخفينا وقد اشتقنا إلى الحج في هذا العام..
عبد الله: يا بني لقد بلغني أن أبا جعفر سيحج بالناس في هذا العام وأخاف أن تقع عينه عليكما .. فوالله لا أرجو لكما نجاة بعدها.
إبراهيم: يا أبي .. إنما الأعمار بيد الله .. نتنكر إن شاء الله فلا يعرفنا عيونه..
عبد الله: لقد أخبرتكما يا إبراهيم بما أرى .. ولكما ما رأيتما.
فخرجا من عند أبيهما وقد نويا الحج .. فأخفيا أمرهما عن جميع الناس حتى عن أبيهما وتنكرا وأحرما للحج في ذلك العام ..
***
وما إن أطلت الأشهر الحرم لعام 140ه حتى خرج أبو جعفر بنفسه للحج بالناس.
وأخذ أبو جعفر يعد للأمر قبل وصوله إلى المدينة .. فحمل معه في رِكبْه عقبة بن مسلم..
فلما اقترب من المدينة وعلم بخروج الناس لاستقباله ومعهم عبد الله بن الحسن، أمر بإحضار عقبة بن سلم..
أبو جعفر: اسمع يا عقبة .. إني إذا صرت بمكان كذا لقيني بنو الحسن .. فيهم عبد الله .. فأنا مبجله ورافع مجلسه وداع بالغداء .. فإذا فرغنا من الطعام .. فلحظتك فامثل بين يديه قائماً.
فلما نزل أبو جعفر بالقرب من المدينة أتى أهل المدينة لاستقباله.. وخص عبد الله بن الحسن بالإكرام.. فدعا بالغداء.. فلما أكمل عبد الله طعامه، مَثَلَ عقبة بن مسلم بين يديه.. فشاح عبد الله ببصره عنه.. وكأنه لم يره..
فأقبل عليه عقبة حتى غمزه بإبهامه في ظهره .. فرفع عبد الله نظره إلى عقبة بن مسلم .. واستشعر عبد الله ما يدبر له ولكن لم يكن لمثله أن يهاب الموت..
وأقبل عبد الله يحدث أبا جعفر .. وأبو جعفر يظهر التشاغل ببعض رسائل بين يديه .. ويرقب ما يحدث لعله يرى من عبد الله ذلة .. فكم تمنى أن يذله..
وبينما هم على مثل هذا الحال .. تكلم محمد بن أبي جعفر الملقب بالمهدي .. فلحَن في كلامه لحناً شديداً.. فقال عبد الله:
- يا أمير المؤمنين .. ألا تأمر بهذا من يعدل لسانه؟ فإنه يغفل كما تغفل الأَمَة ... فلم يلتفت إليه أبو جعفر..
وبعد برهة من الزمن حاول فيها أبو جعفر أن يكظم غيظه ولا يظهر ضعفه .. فقد ذهل من قوة عبد الله بن الحسن وصلابته .. فلم يتغير له لون .. لقد كان ينتظر أن يرتمي بين قدميه خوفاً وفرقاً.
أبو جعفر: يا أبا محمد .. أرى محمداً وإبراهيم قد استوحشا مني .. وإني لأحب أن يأنسا بي وأن يأتياني فأصِلْهما وأخلطهما بنفسي ..
فأطرق عبد الله طويلاً .. ثم رفع رأسه وقال:
- وحقك يا أمير المؤمنين، فما لي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم، ولقد خرجا من يدي.
أبو جعفر- وقد ظهرت ملامح الغضب على وجهه:
لا تفعل يا أبا محمد، أكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما.
عبد الله: والله إني لا أعرف مكانهما.
أبو جعفر- وقد اشتد غضبه على عبد الله: لا تفعل يا أبا محمد .. لا تفعل يا أبا محمد .. لتأتيني به.
عرف عبد الله بن الحسن الجد من كلام أبي جعفر.. وأدرك أنه قد ذهب وقت المهادنة.. فنهض من مكانه ثم قال:
- اسمع يا هذا والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه.
زمجر أبو جعفر واشتد غضبه.. بينما عبد الله ثابت في مكانه لم تهتز له شعرة.. وبدا عليه من الصلابة ما أذهل الجميع.. مما جعل أبا حعفر ينادي قائد الجند:
يا ربيع قم به إلى السجن.
وأُخذ عبد الله بن الحسن وأودع السجن، ولم ترع له حرمة ولا قرابة..
أرادوا منه ولده، ففداه بنفسه، فلا غرابة، فقد رأى في تسليم قرة عينه عين الخيانة..
كيف؟!.. كيف يسلم شبله للموت.. وهو من خيار أهل زمانه..
كيف يستجيز إعانة الظالمين على سفك دماء أولاده وفلذات أكباده؟!
| توقيع : أبوحيدر.... |
|