فإن قيل: إذا اتبعنا أهل البيت في الأصول فالتقليد فيها لا يجوز، وأما الفروع فكل مجتهد مصيب.
قيل له: اتباعهم ليس تقليداً، فكما أن الأخذ بالإجماع ليس بتقليد وكذلك اتباع الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ ؛ فكذلك أهل البيت؛ لأن الدليل قد دلنا أنهم على الحق، بل أوجب علينا اتباعهـم فيجب اتباعهم في الأصول والفروع ؛ لأن الدليل لم يفصل مثلما دلّ الدليل على اتباع الأنبياء - صلوات الله عليهم - ولا نسلم أن كل مجتهد مصيب.
هذا، ويعلم الله الذي يعلم السر وأخفى، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أنا لو نعلم أن الحق مع اليهود لتهودنا أو مع النصارى لتنصرنا أو مع أي فرقة أو فئة لاتبعناها غير مكترثين بالآباء والأسلاف ، وليس لنا مـال على اتباع هذا المذهب ولا شيء من حطام الدنيا، ولا نحب أن نهلك إذا هلكوا {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف:39]، ولا أن نغر الناس ونضلهم إذا ضللنا فنحمل أوزاراً فوق أوزارنا {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:13].
ولكنا لما اختلفت الأمة وتفرقت فرقاً وكل فرقة تدعي أنها على الحق، وتروي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الروايات وتدعي أن رواياتها هي الروايات الصحيحة لجأنا إلى كتاب ربنا وإلى سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ التي أجمع عليها جميع الطوائف فوجدناهما شاهدين لأهل بيت الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنهم على الحق، وأنه يجب على الأمة اتباعهم كالآيات والأحاديث المتقدمة.
وكذا قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران:110]، فجعلهم خير أمة لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولم نجد مثل هذه الذرية تأمر بالمعـروف وتنهى عن المنكر من زمان علي بن أبي طالب وزيد بن علي إلى زماننا هذا.
ولقول الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إلى أن قال: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:95].
ولم نجد مثل هذه الذرية الطاهرة وأتباعهم رضوان الله عليهم مثابرين على الجهاد إلى يومنا هذا إذا وجدوا لهم أنصاراً أولهم علي وآخرهم المهدي ـ عليهم السلام ـ.
ولقول الله تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9]، ولم نجد مثل هذه الذرية من ذراري المهاجرين والأنصار لا ذرية أبي بكر ولا عمـر ولا عمار ولا أبي ذر ولا أنس ولا سعد بن عبادة ولا غيرهم.
أما هذه الذرية فلا زال العلم في بيوتهم وأعقابهم إلى زماننا هذا (1415هـ)، ولهم فيه اليد الطولى، والمؤلفات الواسعة، ويمتازون على غيرهم أنهم يذكرون في كتبهم مذاهب الفرق وحججها والجوابـات عليها ومذهبهم وحجتهم ويجعلون للطالب حرية النقاش والاستشكالات، ولأنهم يتصفون بالصفات الحسنة من الزهد والورع والصيام والقيام ومتابعة الحج والعمرة وملازمة الذكر والإهتمام بالفقراء والأيتام والأرامل، وتجنب المحرمات، والورع الكامل.
ووجدنا لهم من الكرامات ما لو ظهرت لنبيء لكفته معجزة ؛ فمنهـم نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم دعى الله في مخمصة فتدلى عليه السقف رطباً، ومنهم من مسح على أعمى ودعا له فصـار بصيراً في الحال، وعلى أصم فصار سميعاً في الحال، ومنهم من أتى عليـه المطر وهو في الصحراء يتوضأ فمال المطر عنه يميناً وشمالاً ووراءً وأمامـه حتى استدار عليه وهو يتوضأ حتى أتم طهوره وهو في الصحراء والمطر عظيم ولم ينله منه شيء.
ومنهم من أتي بمُقعد ليدعو له وقال له: قم بإذن الله ؛ فقام بريئاً في الحال، ومثل الرائحة الطيبة التي ظهرت من قبور بعضهم التي لم يوجد مثلها في العطـورات والرياحين وهي مستمرة إلى الآن وتفوح في بعض الأيام إلى مكان بعيد عن القبر في يوم مخصوص.
ومنها الأنوار التي تنزل على قبورهم في ليالي القدر بكثرة، وفي ليلة الجمعة والاثنين في غير شهر رمضان، ونحو ذلك كثير من إجابات دعائهم، ولشيعتهم وأتباعهم رضوان الله عليهم الكثير الطيب من ذلك.
ومن عرف أحوالهم واطّلع على تواريخهم عرف أنهم أهل الحق، ولو لم ينزل فيهم كتاب ولا سنة.
هذا، ولو أردنا التغرير والتلبيس واتباع الهوى والضلال لم نشغل أنفسنا بالـدرس والتدريس طيلة أعمارنا لأنا لا نستفيد من ذلك إلا الجهل وسخـط الله وهما لا يحتاجان إلى الدراسة فقد كان الجهل معنا قبل أن ندرس وسبيل النار لا تحتاج إلى دراسة.
نعم، نعود إلى ما نحن فيه نحن والإمامية من الاختلاف فمن ما اختلفنا فيه: أنهم يشترطون عصمة الأئمة ونحن لا نشترطها لكن نشترط العدالة والذكورة والعلم والورع وحسن التدبير والشجاعة والكرم والمنصب وقد قدمناه وسلامة الأطراف فيما يحتاج إليه الإمام مثل السمع والبصر واليدين مما يخل، وسلامته من المنفرات مثل الجذام والبرص والحمق ، وإذا اختلّ أي هذه الشروط بطلت ولو من بعد.
والعصمة عندنا عن الكبائر، وهي عندهم عن الكبائر والصغائر، وحجتنا: أن الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ معصومون وقد وصفهم الله بمقارفة الذنوب، قال تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2]، وقال في موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص:16]، وقال في يونس: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء:87]، وفي داود: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص:24]، وفي سليمان: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ } [ص:34]، وفي آدم: {وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه:121].
والعصمة عندنا ألطاف وتنوير يختار صاحبها معها ترك المحرمات وفعل الواجبات، وليست بالإجبار وإلا لما كان لصاحبها مزية وفضل، ولما استحق الجزاء.
وعندنا أن الملائكة ـ صلوات الله عليهم ـ أفضل من الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ لقول الله سبحانه وتعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} [التحريم:6]، وقال: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(27)} [الأنبياء]، وقد وصف الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ بالعصيان كما تقدم وقال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } [النساء:172]، وهذا ترقٍ من رتبة إلى أرفع منها.
وقال تعالى: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف:20]، وقال تعالى: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [الأنعام:50].
ومن الخلاف بيننا وبينهم المتعة ؛ فنحن نحرمها لما رواه الإمام زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليهم السلام، قال: نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن نكاح المتعة عام خيبر.
ولما رواه أيضاً عن آبائه، عن علي ـ عليهم السلام ـ، قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدين ليس بالدرهم ولا بالدرهمين، ولا اليوم ولا اليومين شبه السفاح.
ولقوله تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:7] ، ولقوله تعالى : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]، فإنه لا يستطاع أن يقام هذا الحد على رجل ولا امرأة ؛ لأن كل زانٍ يدعي أنه تمتع.
ولقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء:15]، لأنه لا يعرف بالشهادة إتيان الفاحشة ؛ لأنهن يدعين المتعة، ولأن الشهود لا يستطيعون أن يقيموا الشهادة ؛ لأنهم لا يعرفون المتعة من الفاحشة ؛ لكون المتعة بين الرجـل والمرأة بدون شهود ولا ولي ؛ فلا يعرفون المتمتع من الزاني، حتى يشهدون أنه زنى، وكذا القاذف لا يستطيع أن يأتي بأربعة شهداء على الزنا لعدم معرفة هذه من هذا حال المشاهدة فتكون هذه الآية وآية القذف عاريتين عن الفائدة.
وكذا قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]، ولو كانت المتعة حلالاً لدلهم عليها ولم يأمرهم بالاستعفاف ؛ لأنه يتمكن منها أفقر الفقراء.
وكذا قوله: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:25]، ولو كانت المتعة حلالاً لم يدله على نكاح الأمة ؛ لأنه سيصير أولاده منها عبيداً مملوكين ولم يرخص في نكاحها إلا بشرط خشية العنت ؛ ثم قال: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النساء:25]، ولو كانت المتعة حلالاً لم يخش العنت ولم يحتج إلى الصبر، مع أنها خلاف الحكمة والمصلحة ؛ لأنه يحصل منها مفاسد كثيرة ؛ لأنه ربما تمتع الغريب بامرأة فتحمل ثم يأتي رجل آخر فيتمتع بها، ويختلط النسل ، وربما تمتع بها بعده أبوه أو ابنه وهما لا يعرفانها ، وربما ولد للرجل من المتعة ابن أو ابنة ولا يدري ولا يعرفهما ولا يعرفانه إذا كـان غريباً، وربما تزوّجت البنت بأبيـها أو بأخيها أو بابن أخيها، وكذا الابن ربما تزوج بإخته أو من تحرم عليه، وقد يحرم الولد من ميراث أبيه ويظلم الورثة بعضهم بعضاً وهذه العلل التي حرم الزنا لأجلها وهي موجودة في المتعة.
ومن الأدلة على نسخها وتحريمها ما روي في أمالي أحمد بن عيسى بن زيـد بن علي التي رواها محمد بن منصور المرادي رحمه الله تعالى، قال: حدثنا محمد، قال: حدثني أحمد بن عيسى بن زيد حدثني حسـين بن علوان عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عـن علي ـ عليهم السلام ـ قال: نهانا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن نكاح المتعة يوم خيبر، قال في الروض النضير: أخرج البخاري ومسلم والمؤيد بالله وغيرهم من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي بن أبي طالب ـ عليهم السلام ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأنسية.
وأخرج المؤيد بالله ـ عليه السلام ـ بسنده عن عبدالله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن علي ـ عليهم السلام ـ، قال: حرم رسول الله المتعة من النساء يوم خيبر، وقال: ((لا أجد أحداً يعمل بها إلا جلدته)).
وأخرج البيهقي بإسناده إلى إياس بن عامر عن علي ـ عليه السلام ـ قال: نهى رسول الله عن المتعة، انتهى من تخريج الأمالي المسمى رأب الصدع.
وفي الأمالي: حدثنا محمد، قال: حدثنا قاسم بن إبراهيم، قال: حدثني إسماعيـل بن أبي أويس عن حسين بن عبدالله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن نكاح السر، وأخرجه الطبراني في الأوسط.
وروى الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد)) انتهى من التخريج.
وفي الأمالي: وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، عن حسن وعبدالله ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما، عن علي أنه قال لابن عباس وهو يفتي في المتعة، فقال: (مهلاً فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عنها يوم خيبر، وعن الحمر الأهلية).
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا أبو مالك، عن حجاج عن الزهري، عن الحسن وأخيه ابني محمد بن الحنفية ، عن أبيهما، عن علي: أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حرم يوم خيبر نكاح المتعة.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: وحدثنا أبو هاشم، عن يحيى بن يمان، عن معمر ، عن الزهري، عن الحسن بن محمد، عن علي، قال: نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن متعة النساء يوم خيبر، ولحوم الحمر الأهلية، وقد أخرج هذا الحديث مسلم.
وقد أخرج محمد بن منصور المرادي رحمه الله عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تحريمها ونسخها بست طرق غير ما مضى.
وروى عن ابن عباس أنه رجع عنها، وأنه قال: إنها كالدم والميتة ولحم الخنزير، بثلاث طرق.
وروى تحريمها عن عبدالله بن الحسن كامل أهل البيت وولده محمد بن عبدالله النفس الزكية، وزيد بن علي، وجعفر الصادق، والقاسم بن إبراهيم، وأحمد بن عيسى.
وروى الهادي، والقاسم، وأحمد بن عيسى، وزيد بن علي، ومحمد بن منصور: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين)).
فالهادي والقاسم ومحمد، عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأنه نهى عن نكاح السر، وزيد وأحمد بن عيسى عن علي - عليه السلام -.
وروى محمد بسنده عن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليهم السلام ـ: أن ولي عقدة النكاح أولى بالنكاح ؛ فمن أنكح امرأة بغير اذن ولي نكاحها فنكاحها باطل.
وروى محمد عن أحمد بن عيسى وزيد بن علي والباقر وابن عباس وعلي ـ عليهم السلام ـ: لا نكاح إلا بولي.
وروى محمد بسنده عن ابن عباس ، وعن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((لا نكاح إلا بولي)).
وبسنده إلى الباقر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل ؛ فمن لم يكن له ولي فالسلطان وليه)).
وبسنده إلى علي، قال: نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن نكاح السر، وقال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين)).
وحديث لا نكاح إلا بولي، أخرجه الخمسة إلا النسائي، وأحمد، وابن ماجة.
وروى محمد بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها)) ورواه ابن ماجه، والدارقطني ؛ فهذه تدل على بطلان نكاح المتعة ؛ لأن المتعة لا يشترط فيها الولي ولا الشهود.
ومما يؤيد ذلك قول الله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء:25] ، {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى} [النور:32]، {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة:232]، {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة:221]، ففي كل هذه الآيات يسند النكاح إلى الرجال ، انظر كيف قال الله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ} بضم أوله من أنكح غيره أي لا تنكحوا نساءكم المشركين ، وقال: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة:221]، بفتح أوله من نكح ينكح فهو ناكح لما كان الرجل هو الذي ينكح نفسه.
وقال المؤيد بالله في تحريم المتعة: وهو قول الزيدية أجمع، وسائر العلماء إلا ما يحكى عن زفر([1]) أنه أجاز العقد وأبطل الشرط، وذهب الإمامية إلى أنه حلال، انتهى.
ومن الخلاف بيننا وبينهم: نكاح دبر المرأة ؛ فإنهم يبيحونه، ونحن نحرمـه، والحجة لنـا أن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى قوم لوط في تحريم نكاح الدبر رسولاً خـاصاً وعذبهم الله من أجله عذاباً عظيماً، ولا فرق بين دبر المرأة ودبر الرجل ؛ لأن العلة في التحريم موجودة فيهما وهي مقارفة الأذى وامتناع النسل، وكل واحدة مستقلة يناط بها الحكم.
وقد نبههم النبي لوط ـ عليه السلام ـ على أن الأذى علة في المنع بقوله: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود:78]، وقال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}فعلل التحريم بالأذى ثم قال: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222]، فجعل التطهر علة للإباحة، وأي قذر أقذر من الدبر، ولأنه قال: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} فنبه على أن ثم موضعاً لم يأمرنا بإتيانه.
ولما رواه إمام اليمن الهادي إلى الحق ـ عليه السلام ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: ((إتيان النساء في أعجازهن كفر)).
وروى أيضاً أنه كان يقول: ((لا يستحي الله من الحق لا تأتوا النساء في حشوشهن ؛ فإن إتيان النساء في حشوشهن كفر)).
وروى عنه أنه قال: ((لا ينظر الله إلى من أتى امرأة في دبرها)).
وروى في بلوغ المرام شرح آيات الأحكام لمحمد بن الإمام القاسم بن محمد : ((من أتى كاهناً فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضاً أو أتى امرأة في دبرها فقد بريء مما أنزل الله على محمد))، قال: أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي، والنسائي، والبيهقي، وابن ماجه، عن أبي هريرة مرفوعاً.
واحتجوا على تحليله بقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]، ولا حجة لهم فيه ؛ لأنه قال: حرث والحرث موضع الزرع الذي يبذر فيه، وموضع الزرع القبل لا الدبر ؛ لأن الولد يزرع في القبل.
ومن الخلاف بيننا وبينهم: في الوضوء القدمان ؛ فإنهم يقولون بمسحهما، ونحن نقول بغسلهما ؛ لأن الله قال: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة:6]، بالنصب عطفاً على الأيدي، ونروي قراءة نصب أرجلكم عن آبائنا.
ولما رواه الإمام الأعظم زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام، عن علي ـ عليه السلام ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ توضأ فغسل قدميه ــــــــــ
سؤال : عن تعريف العصمة، ومن هم المعصومون ؟
الجواب:
أما العصمة فقد بيناها في بحث الإمامة، وأما المعصومون فالملائكة ـ صلوات الله عليهم ـ من العمد والخطأ لقوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]، وقوله تعالى: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:27].
وكذا الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ من الكبائر كلها، ومن الخطأ فيما جاءوا به ؛ لأن المعجزات شاهدة لهم بالصدق، وإذا أخطأوا وجب أن ينبهوا وإلا كان تلبيساً وتغريراً وهو قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح، ولقول الله تعالى: {قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}..إلى قوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة:136]، فعلمنا أن كلما جاءوا به فهو حق.
ولقوله تعالى في نبيئنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)} [النجم].
وكذا علي وفاطمة والحسن والحسين ـ صلوات الله عليهم ـ لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33]، {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان:12]، ((علي مع الحق والحق مع علي))، ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة))، ((فاطمة سيدة نساء العالمين))؛ لأنه قد أخبر بإرادة إذهاب الرجس والتطهير، وما أراده الله كان: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج:16].
وبيَّنهم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين لف عليهم الكساء، وقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)).
ولأنه لا يصح أن يخبر عن أحد أنه يدخل الجنة وهو يعلم أنه يقارف الكبائر، ولو كانت خاتمته التوبة والصلاح ؛ لأنه يكون إغراء له بالمعصية، وهو لا يجوز لأنه قبيح، والله لا يفعل القبيح.
وكذا جماعة أهل البيت والأمة معصومون فيما أجمعوا عليه، ولا نقول بالعصمة في غير هؤلاء لعدم الدليل، ولا نحكم بعدم العصمة لغيرهم، فلعل بعض أفراد الصالحين معصومون، وإن لم يطلعنا الله عليهم إلا أنا لا نحكم بالعصمة لأحد بدون برهان، ولا نحكم بالعدم بدون برهان.