الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(2)
الباب الثاني الفصل الأول الشعور بالخوف من الغد الآتي ..الغد الذي يحمل معه جزاء الغدر وانتصار المظلوم .. جعل يتملك على أبي جعفر قلبه ومشاعره وتخيلاته .. فقد كان يرى في أولاد عبد الله بن الحسن كابوساً لا يفارق مخيلته .. فبعد أن أحكم القبضة على زياد بن عبد الله الحارثي وولاته .. جعل لا يشغله شيء عن التفكير في وال يضبط له أمر المدينة وما حولها ويأتيه بمحمد وإبراهيم ..فكر كثيراً فلم يجد سوى رجلاً واحداً يمكن أن يقوم ولو ببعض هذا العمل .. فمحمد بن خالد القسري -سيد اليمن- لن يألو جهداً في التقرب إلى أبي جعفر .. ولذلك أرسل في طلبه .. فلما دخل على أبي جعفر قال له: - يا محمد .. هذا أمر بولايتك على المدينة .. ولكن لن أوليك حتى تتكفل لي بمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن .. وخذ ما شئت من المال والجنود .. فقد أطلقت يدك في كل شيء لا أضع عليك رقيباً.. محمد بن خالد: أمر مولاي .. فإني آتيك بهم إن شاء الله. وسافر محمد بن خالد القسري نحو مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد تعهد لأبي جعفر بقتل وأسر ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..فلما اقترب من المدينة .. أرسل إلى أهلها يبلغهم بقدومه .. فخرجوا لاستقباله ثم دخل المدينة .. وجعل يتشدد في طلب محمد وإبراهيم .. وينفق الأموال الكثيرة في طلبهم .. ودخل يوماً إلى السجن وجعل يطوف على من فيه من السجناء.. فرأى عبد الله بن الحسن وقد كسى الشيب وجهه .. وأثرالسجود في جبينه .. وتوهجت الأنوار من وجهه .. يطيل السجود ويكثر الذكر .. فمال إليه وأحبه.. منذ أن رآه لأول وهلة.. فجلس إليه يحادثه.. وكان عبد الله لا يجلس إلى أحد إلا وأثر فيه لقوة حجته ومنطقه .. وتكرر اللقاء تلو اللقاء .. فأنس إليه وعرف له مقامه .. ولكن رسائل أبي جعفر ما كانت لتترك محمد بن خالد وشأنه .. فقد أتاه كتاب أبي جعفر يأمره فيه أن يرفع إليه بالأموال التي أنفقها .. فكتب إليه كتاباً ذكر فيه مالاً عظيماً أنفقه في البحث عن أولاد عبد الله بن الحسن .. فسرى الشك في قلب أبي جعفر واتهم محمد بن خالد، فقد أتاه بعض عيونه بأخبار محمد بن خالد وجلوسه إلى عبد الله بن الحسن .. أبو جعفر- مخاطباً ابن الربيع-: والله ما جلس أحد إلى عبد الله بن الحسن إلا وأدخله في رأيه .. وإني لا أشك أن محمد بن خالد قد مال إلى عبد الله وبنيه. ابن الربيع: مُره أن يحصر أهل المدينة في دورهم وأن يفتشها داراً داراً؟ فإن ظفر بمحمد وإبراهيم وتركهما .. افتضح أمره .. وإن أخذهما قطع ما بينه وبين بني الحسن .. وأرسل من عندك من يحضر هذا الأمر. أبو جعفر: لله أنت .. نعم الرأي ما رأيت. وبالفعل .. وصلت رسالة أبي جعفر إلى المدينة تحمل هذا الأمر .. ومع الرسالة الرصدة والعيون.. فخرج محمد بن خالد .. فجمع أهل المدينة .. فأمرهم أن يتجاعلوا .. وأن يعطي غنيهم فقيرهم .. ثم قسم بينهم أموالاً تكفي حاجتهم .. وأمر أهل المدينة أن يلزموا بيوتهم أسبوعاً لا يخرجون .. وسد الطرق .. وأحاط المدينة بجنده. ثم أمر دوريات من الجنود لتكشف المدينة بيتاً بيتاً .. وعززهم بصكوك تمنع أي شخص يريد التعرض لهم أو منعهم .. فلم يبق بيتٌ في المدينة إلا وقلبّه الجند رأساً على عقب .. وبعد أسبوع من البحث المتواصل .. عادت دوريات الجند فارغة اليدين .. لم تظفر بأي أثر يدلهم على مكان محمد وإبراهيم. (2) استبطأ أبو جعفر محمد بن خالد القسري .. فرأىعزله ..ولكن الحيرة اخذته فيمن يخلفه .. فكلما نصب على المدينة والياً مال إلى عبد الله بن الحسن وأولاده .. واشتد على أبي جعفر أمر محمد وإبراهيم .. فطال سهره .. وثقله عليه همه .. وساء حاله .. فهو في كل يوم .. بل في كل ساعة يدرك شدة ضعفه .. وقلة حيلته.. كان أبو جعفر يريد رجلاً ذا رأي وفطنة .. بعد أن كاد اليأس أن يستولي عليه .. علّه يجد له مخرجاً من هذا المأزق .. فلما دخل عليه أبو السَّعلاء قال أبو جعفر: - أدركني يا أبا السَّعلاء .. وأشرْ عليَّ في أمر هذين الرجلين فقد غمني أمرهما.. لم يكن أبو السَّعلاء يحتاج إلى السؤال عن قصد أمير المؤمنين -بقوله الرجلين- فقد عرف الخاص والعام بما صار إليه حال أمير المؤمنين. أبو السَّعلاء: أرى لك أن تستعمل رجلاً من ولد الزبير أو طلحة .. فإنهم يطلبانهما بالثأر .. فأشهد لا يلبثون أو يخرجونهما إليك. أبو جعفر: قاتلك الله .. ما أجد رأياً أحسن مما جئت به .. والله ما غَبي هذا علي .. ولكن أعاهد الله ألا أثأر من أهل بيتي بعدوي وعدوهم .. ولكني أبعث عليهم صعيلكاً من العرب .. فيفعل ما قلت. ثم ركب أبو جعفر مع حاشيته .. وخرج يريد أن يروح عن نفسه .. فقد طال تفكيره في هذا الأمر .. فلما تجاوز قصره .. استقبله يزيد بن أسيد السُّلمي .. أبو جعفر: أما تصحبنا يا يزيد؟ يزيد: حباً وكرامة يا أمير المؤمنين. فلما جاوزه بفرسه .. مال إليه أبو جعفر وجعل يسره ببعض كلام .. أبو جعفر: أما تدلني على فتى من قيس مقل .. أُغنيه وأُشرّفه وأُمكّنه من سيد اليمن -يعني محمد بن خالد القسري -يلعب به. يزيد: بلى .. قد وجدته يا أمير المؤمنين. أبو جعفر: فمن هو؟ يزيد: رياح بن عثمان بن حيان المري. أبو جعفر: فلا تذكر هذا لأحد. ثم انصرف أبو جعفر عائداً إلى قصره .. فأمر بنجائب وكسوة ورجال .. فهيئت للسفر.. ثم أمر بإحضار رياح بن عثمان المري. كان رياح غليظ الطبع .. جاف القول .. متسلطاً.. فلما حضر رياح وجلس إليه أبو جعفر جعل يذكر له ما بلاه من غش زياد وابن القسري في ابني عبد الله .. ثم قال له أبو جعفر: - يا رياح .. سر من ساعتك إلى المدينة واجعل همك ابني عبد الله. فركب رياح من ساعته وخرج يريد المدينة .. *** وصل رياح إلى المدينة مع حاجب له يكنى أبا البختري في الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة 144 هجرية ..فأقبل حتى وصل إلى دار مروان .. فلما استقر فيها سألهم: - أهذا دار مروان؟ أبو البختري: نعم يا مولاي .. هذا دار مروان. رياح: هذا المِحْلال المِظْعَان -ونحن أولى من يظعن منها-. أين ابن القسري؟ فأرسلوا في طلبه وأتوا به حتى أدخل عليه .. فلما جلس بين يديه قال له رياح: - كيف صنعت في الأموال يا ابن القسري؟ محمد بن خالد القسري: هذا كاتبي رزام أعلم بذلك مني. رياح: أسألك وتحيلني على كاتبك؟! ثم أمر به فوجأت عنقه .. وقُنِّع أسواطاً .. ثم أخذ رزاماً الكاتب .. فبسط عليه العذاب.. فجعل يجلده في كل موضع من جسده خمس عشر سوطاً .. ويده مغلولة إلى عنقه، ثم يطوفون به في أفناء المسجد والرحبة .. فلما بلغ به العذاب أشده وامتلأ جسده بالقراح من أطراف قدميه إلى مقاص شعره ..أرسل إليه رياح: (ارفع بمحمد بن خالد .. وأنا أكف عن تعذيبك). فرفض رزام ذلك .. وأقسم رزام أن لا يفعل.. فأمر بضربه .. فأقبل قائد الشرطة نحو رزام وقال له: - أين تحب أن أضرب في هذا اليوم؟ رزام: والله ما في بدني موقع للضرب .. فإن شئت فبطون كفي .. فأخرج كفيه .. وضربه فيها خمسة عشر سوطاً .. وجعل رياح يرسل إليه: إن رفعت بابن القسري خليت سبيلك .. فلما ألحوا عليه واشتد به الألم قال لهم: - أرسلوا إلى رياح .. فليأمر بالكف عني حتى أكتب كتاباً أرفع فيه بمحمد بن خالد القسري وأتهمه. فأمر رياح بالكف عنه .. وأقبل رياح إلى رزام وقال له: - إذا كان العشية واجتمع الناس عندي .. فأقبل واقرأ الكتاب الذي رفعت فيه على محمد بن خالد بأنه كان يأكل أموال المسلمين. فلما اجتمع رياح مع وجوه الناس .. دخل عليهم رزام فقال: - أيها الناس إن الأمير أمرني أن أكتب كتاباً وارفع على محمد ابن خالد .. وقد كتبت كتاباً أتنجَّى به .. وأنا أشهدكم أن كل ما فيه باطل.. فالتفت إليه رياح .. وقد احمر وجهه .. وجحظت عيناه ثم صرخ في وجهه وقال له: - ماذا قلت يا ابن الفاعلة؟ .. يا قائد الشرطة .. خذ هذا الأحمق واضربه مائة سوط. *** أمضى رياح ليله مهموماً لم يجد النوم إلى عينه طريقاً .. فلما مضى من الليل ثلثه .. التفت رياح إلى أبي البختري ثم قال له: - يا أبا البختري .. خذ بيدي ندخل على هذا الشيخ .. أبو البختري: أتقصد عبد الله بن الحسن؟! رياح: نعم .. فهو مسجون في القبة منذ ولاية زياد الحارثي .. فجعل رياح يتكئ على يد أبي البختري ويمشي في تبختر كما هو شأن الصعاليك الأراذل الذين يتولون أموراً ليسوا من أهلها .. فصعلوك الأمس أصبح بفضل الطغاة أميراً .. فلما دخلا على عبد الله بن الحسن وهو متوجه يناجي ربه .. قد شغلته مناجاته عن الداخلين عليه.. وقف رياح على رأس عبد الله.. وجعل ينظر إليه في سخرية.. رياح: أيها الشيخ .. إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة .. ولا يد سلفت مني إليه .. والله لا لعبت بي ما لعبت بزياد وابن القسري .. والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمدٍ وإبراهيم .. فلما انتهى عبد الله من مناجاته .. رفع رأسه ونظر في وجه رياح بن عثمان.. فلم يزد على أن قال: - نعم .. أما والله إنك لأُزيرق قيس المذبوح فيها(1) كما تذبح الشاة .. وقعت هذه الكلمات على رياح كأنما هي رماح اخترقت جسده .. فاصفر لونه .. وبردت أعضاؤه .. فأحس أبو البختري ببرودة يده .. وبخطلة في قدميه .. أبو البختري: والله إن هذا ما اطلع الغيب. رياح: إيهاً .. ويلك فو الله ما قال إلا ما سمع. كان رياح يدرك مقام أهل البيت عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن حب المال والجاه كان قد أعمى بصيرته .. فلم يكن للعبرة والتذكرة أن تدخل قلبه .. فأنىّ لقلب امتلأ بالأحقاد وحب الدنيا أن تدخله العبرة والموعظة .. (3) أمر رياح بعبد الله بن الحسن .. فثقِّلت قيوده .. وضيق عليه في سجنه .. وجعل رياح يتعرض بالأذى لكل من يأتي لزيارته أو السؤال عنه. وكان الحسن بن الحسن أخو عبد الله متألها عابداً وقد آل على نفسه أن لا يدهن ولا يكتحل ولا يلبس ثوباً ليناً ولا يأكل طعاماً ليناً ما دام عبد الله في سجنه .. وكان الحسن يأتي عبد الله في سجنه .. فيبكي حتى يخرج من عنده .. وهو لم يكلمه لكثرة بكائه وحزنه .. فلما ضيق عليهم رياح .. تأخر الحسن عن الإرسال إلى أخيه عبد الله .. فأرسل عبد الله إلى أخيه ..فلما دخل الرسول على الحسن في داره بادره بالسؤال عن أخيه قائلاً: - كيف تركت عبد الله؟ الرسول: على مثل الحال التي تعهد .. إلا أنه عاتِب، ويقول لك: إنك وولدك آمنون في بيوتكم ..وأنا وولدي بين أسير وهارب .. فإذا كنت مللت معونتي .. فآنسني برسلك .. فشهق الحسن واشتد بكاؤه وجعل يقول: - بنفسي أبو محمد إنه لم يزل يحشد الناس باللائمة. *** وجعل رياح يستخدم سلطانه أسوأ إستخدام .. فأساء إلى كل رجل تقي.. وكل مؤمن زاهد ..وشدد في طلب ابني عبد الله وملأ الطرق بالعيون.. وضاقت بهما السبل .. وأرسل محمد بن عبد الله إلى والده يستأذنه في السفر.. فأذن له .. فدخل محمد على أخيه وقال له: - يا إبراهيم .. إذا عم الظلام خرجنا. إبراهيم: أي بلد نقصد؟ محمد: نقصد العراق. إبراهيم: إلى أبي جعفر !! محمد: نعم نحو أبي جعفر .. فإنه لا يمكن أن يتوقع ذلك منا أبداً .. ولنا شيعة هناك .. وقد انقطعت عنا أخبارهم. وركب محمد في جمع من أصحابه متوجهاً إلى العراق .. لا يشارك المسافرين طريقهم ولا يحدث أحداً عن وجهته .. فلما بلغ العراق توجه إلى البصرة .. فدخلها وفرق أصحابه .. ونزل على عبدالله بن شيبان أحد بني مرة. فبقي عنده ستة أيام .. وجعل الناس يدخلون إليه وكثرت الوفود إليه .. فبايعه جمع عظيم من العلماء .. ودخل عليه عمرو بن عبيد المعتزلي العابد .. فبايعه .. وحُملت إلى بغداد أخبار قدوم محمد بن عبد الله على البصرة .. فخرج أبو جعفر .. وقصد البصرة .. فلما بلغها أقبل يسير على الجسر فلاقاه عمرو بن عبيد على الجسر .. بعد أن ودع محمد بن عبد الله فقال له أبو جعفر: - يا أبا عثمان أبايعت محمداً؟!. كان عمرو بن عبيد يرى أن في التعريض بالكلام مندوحة عن الكذب.. لذلك رفع عمرو نظره إلى أبي جعفر ثم قال: - أما والله لو قلدتني الأمة أمرها ما عرفت لهم موضعاً .. أبو جعفر: يا أبا عثمان .. هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا؟ عمرو: لا. أبو جعفر: فاقتصر علىقولك وانصرف. عمرو: نعم. فانصرف أبو جعفر بعد أن علم أن محمداً قد خرج من البصرة .. ولم تُعرف له وِجْهة.. فعاد إلى الكوفة وأمر أن تخرج جماعة من خواصه .. لتسير مع المسافرين في الطرق المؤدية إلى المدينة والشام .. وغيرها. *** واستشعر محمد بن عبد الله وأصحابه أنهم مطاردون .. وأن القوم يتبعونهم .. إبراهيم: أي طريق نسلك وقد أمر أبو جعفر أتباعه بالانتشار في الطرقات؟ محمد: نسلك طريقاً لا يمكن أن يفكر أبو جعفر أنَّا نسلكه. إبراهيم: أين تقصد؟ محمد: نتوجه إلى بلاد السند .. فنبقى هناك حتى تذهب حدته .. ويقل ذكره لنا. وفعلاً خرجا متوجهين إلى بلاد السند .. *** وبذل رياح كل ما في وسعه لعله يصل إلى محمد وإبراهيم .. أو إلى شيء من أخبارهما.. ولكن كل وسائل القهر والعنف باءت بالفشل .. لذلك فكر في أسلوب آخر .. فأرسل جماعة من بني هاشم وبعض وجوه أهل المدينة ممن عرفوا بالولاء لبني الحسن إلى عبد الله بن الحسن في سجنه ينصحونه بتسليم ولديه .. فلما دخلوا عليه في سجنه .. جعلوا يكلمونه وينصحونه ويمنونه بسلامة ولديه إن هو أظهرهما. فلما فرغوا من كلامهم إلتفت عبد الله بن الحسن إلى الحسن بن زيد بن الحسن-وكان منحرفاً عن خط أهله- فقال له: - يا ابن أخي .. والله لبليتي أعظم من بلية إبراهيم (صلوات الله عليه).. إن الله عزّ وجلّ أمر أن يذبح ابنه .. وهو لله في طاعة فقال إبراهيم {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ} .. وإنكم جئتموني تكلموني في أن آتي بابنيَّ إلى هذا الرجل فيقتلهما .. وهو لله عزّ وجلّ في معصية .. فو الله يا ابن أخي لقد كنت على فراشي فما يأتيني النوم .. وإني على ما ترى أطيب نوماً. وبهذه الكلمات قطع عبد الله كل أمل للوسطاء، وحطم آمال رياح في أن يصل إلى محمد وإبراهيم من خلال أبيهم .. فأرسل رياح إلى أبي جعفر يعتذر إليه من تأخره في القبض على ابني عبد الله .. ويطلب منه فرصة أخرى. (4) لم يحتمل أبو جعفر طول الإنتظار .. فقد جعل يفكر في طريق يصل بها إلى محمد وإبراهيم .. لقد بلغه أنهم ما زالوا في بلاد السِّند .. ثم أنهم رحلوا يقصدون المدينة .. فلما أتى من أكد له خبر رجوعهم من بلاد السَّند .. وتوجههم نحو المدينة .. أرسل إلى رجل من ثقاته .. وكتب له عدداً من الرسائل على ألسنة رجال من الشيعة .. الذين كان يعرفهم حق المعرفة يوم أن كان أحد دعاة أهل البيت (ع) وجهزه بأموال ولطائف .. وأمره بالسفر إلىالمدينة وإظهار الحب لأهل البيت والتودد .. وأن يكثر الزيارة لعبد الله بن الحسن .. ثم أخبره ببعض ما سينال به ثقة عبد الله بن الحسن.. فسار الرجل نحو المدينة ودخل على عبد الله في سجنه .. وأكثر التردد عليه .. ووضع بين يديه الرسائل .. فلم يشك عبد الله في صدقه .. فلما أنس إليه .. سأله الرجل: - أين ولدك محمد؟ فقد طال مقامي في المدينة .. وأخاف أن يتهمني رياح .. فلا أتمكن من الرجوع .. عبد الله: هو في جبل جهينة متخفياً .. الرجل: ولكن كيف لي أن أصل إليه وهو ينفر من كل الناس .. عبد الله: أمرر بالرجل الصالح (علي بن الحسن) الذي يدعى بالأغر .. وهو بذي الإبر .. وهو يرشدك .. فخرج الرجل وقد نال مراده .. فأسرع من ساعته نحو علي بن الحسن .. فدله على محمد بن عبد الله .. فتوجه الرجل على جهينة .. في مكان قد حدده له علي بن الحسن .. وقبل أن يخرج إلى مكان محمد .. مر على رياح .. الرجل: إسمع يا رياح .. إن محمداً في (رضوى) من جبل جهينة .. وإني خارج إليه الآن .. فأحدثه وأشغله .. وأنت أرسل كتيبة من الجيش فتمسك بي وبه .. واجعل عليها رجلاً يعرف مسالك البلاد. رياح: سأرسل عمر بن عثمان بن مالك الجهني .. أحد بني جشم. ثم خرج الرجل متوجهاً إلى شعب (رضوى) .. فلما بلغ هناك استقبله محمد بن عبد الله .. فجلس إليه وجعل يحدثه .. ومعه عبد الله بن عامر الأسلمي، وابنا شجاع من أصحاب الإمام .. وتحرك الجيش من المدينة يسلك الوديان والشعوب .. ليحيط بشعب (رضوى) من كل ناحية .. وتحقق الأمر .. وقربت لحظة الفرج .. فلكم انتظر أبو جعفر ورياح لحظة كهذه اللحظة .. فمنذ عام 132 هجرية إلى عام 144 هجرية .. والجيش العباسي وجواسيسه عاجزون عن الإمساك بمحمد بن عبد الله .. اثنا عشرة سنة من المطاردة والمتابعة ستنقضي بعد لحظات .. ليجثو ذلك الأسد العتيد بين يدي أبي جعفر .. لينفذ فيه حكمه .. ويتحقق لأبي جعفر مراده .. لقد آن الأوان لأبي جعفر أن ينام قرير العين .. مطمئن النفس .. وقد وارى التراب أشد خُصومه.. ذلك الخصم الذي كان بالأمس هو من يجب أن يجلس على عرش الخلافة..! *** كان عبد الله جالساً في سجنه منشرح الصدر .. بعد أن رحل عنه عين أبي جعفر .. قد اطمأن إلى أن هناك من حمل نفس همه .. ويسعى معه لتحرير هذه الأرض من ولاة الجور والظلم .. لقد أتاه الجواسيس برسائل من المقربين لأبي جعفر .. يعطون لولده محمد البيعة .. كان يقول في نفسه .. لا غرابة أن يكتبوا إليه .. فإنما هم شيعتنا بالأمس .. اختدعهم أبو جعفر فمالوا معه .. واليوم عاد إليهم رشدهم .. لما رأوا ظلم أبي جعفر وتسلطه .. وقطع تفكيره دخول الحارس عليه يبلغه أن هناك زائراً يريده .. التفت عبد الله نحو باب السجن .. فإذا الداخل رجل لم يره من قبل ولا عرفه .. عبد الله: ممن الرجل؟ الرجل: أنا رسول كاتب سر أمير المؤمنين. عبد الله: وما دليلك على هذا؟ الرجل: رجل أتاك صباح اليوم قبلي يحمل إليك رسائل من فلان وفلان وفلان .. وأعطاك من الأموال كذا وكذا وكذا .. عبد الله: كل ما ذكرت قد كان. الرجل: كاتب سر أمير المؤمنين يبلغك السلام .. ويقول لك .. الحذر .. الحذر، فكل الرسائل مكذوبة .. وليس الرسول إلا جاسوساً لأمير المؤمنين. تغيّر وجه عبد الله بن الحسن لما سمع .. وجعل يسترجع .. ويكرر الإسترجاع. الرجل: أرسلني إلى رجل يأتيك .. فترسل إلى محمد ليحذره.. عبد الله: إسأل عن دار أبي هبار .. فإذا دلوك عليه فقل له فليسرع إلي. فخرج الرجل .. فلما لقي أبا هبار .. أمره بالإسراع إلى عبد الله ..فاسرع إليه من ساعته.. فلما دخل على عبد الله .. قال له: - اسمع يا أبا هبار .. أخرج إلى علي بن الحسن الأغر .. فاسأله هل أتاه رجل على وصف كذا وكذا .. ودله على محمد؟ .. فإذا قال: نعم، فأسرع إلى محمد .. فإن الرجل قد توجه إليه .. فأخبر محمداً أنما هو جاسوس لأبي جعفر فلا يعطيه سراً ولا يكشف له عن مستور .. ولينظر في أمر الرجل .. ويتحول عن مكانه. وأسرع أبو هبار إلى الرجل الصالح علي بن الحسن .. فلما دخل عليه قال له أبو هبار: - هل أتاك رجل على وصف كذا وكذا؟ علي: نعم!! .. وقد دليته على محمد حتى يأتيه كما قال عبد الله. أبو هبار: إنما الرجل جاسوس لأبي جعفر. علي: فأسرع إلى محمد .. فإني أخشى أن يؤخذ على غرة. جعل أبو هبار يستحث فرسه .. كأنما هو في ميدان السباق.. وبالفعل .. قد كان يتسابق مع الموت .. فقد صار جيش رياح يكاد أن يكمل مهمته في تطويق المكان .. فلما دخل أبو هبار على محمد وأصحابه .. فإذا الرجل يجلس في أوساطهم في كهف كان قد اتخذ منه محمد بيتاً .. *** كان جاسوس أبي جعفر منشرح الصدر .. يكثر الضحك .. ويرفع صوته بالكلام .. ويكثر الإلتفات إلى مدخل الكهف .. لا يشك في أن قائد جيش رياح سيلج عليهم من الباب في أي لحظة .. فلما دخل أبو هبار .. استنكره .. فجلس أبو هبار إليهم .. ثم مال أبو هبار على محمد.. وهمس في أذنه قائلاً: إن لي حاجة. فاستأذن محمد بن عبد الله أصحابه وخرج وتبعه أبو هبار .. فلما خليا من الناس قال له أبو هبار: - إن الرجل جاسوس لأبي جعفر .. وأنا رسول ابيك إليك .. فانظر ماذا أنت فاعل.. محمد بن عبد الله: إنا لله و إنا إليه راجعون .. فما الرأي؟. أبو هبار: تدعني .. فأقتل الرجل. محمد بن عبد الله: ما أنا بمقترف دماً إلا مكرهاً .. أو ماذا؟ أبو هبار: توقره حديداً .. وتنقله معك حيث تنتقل. محمد بن عبد الله: وهل بنا فراغ من الخوف والإعجال .. أو ماذا؟ أبو هبار: تشدوا وثاقه .. وتودعه بعض أهل ثقتك من جهينة. محمد بن عبد الله: هذه إذاً. فرجعوا إلى مجلسهم .. فلما دخلوا المكان .. فإذا الرجل قد خلي منه .. أبو هبار: أين الرجل؟ عبد الله بن عامر: قام بركوة واصطب ماء .. ثم توارى بهذا الظرب يتوضأ. أبو هبار: فأسرعوا يا قوم .. وأحيطوا بهذا الظرب .. فإنما الرجل جاسوس لأبي جعفر. أسرع الجميع يجولون حول الجبل .. فتوجه كل منهم من جهة ..وطال البحث .. ولم يجدوا له أثراً كأنما إبتلعته الأرض. وبينما الرجال على مثل هذه الحال.. إذا برجال رياح وجنوده يشرفون عليهم من أطراف الشعب .. كان محمد قد دخل إلى كهف آخر .. كانت فيه جارية له توشك أن تضع حملها .. فلما سمع أصوات الرجال خارج الكهف .. أسرع ينظر ماذا في الخارج .. فعلم أنه أحيط به. فأقبل نحو الكهف .. يريد أن يحمل الأمة .. لينجيها معه .. فإذا بها قد وضعت حملها. فأمر أن تسرع وتحمل مولودها .. ليحملها على فرسه .. فحملت مولودها .. وأصعدها محمد على فرسها .. ورحل يريد النجاة من أصحاب رياح وجنده ..فلما أسرع بالفرس .. سقط الطفل من بين يدي أمه .. فجعل محمد والأمة ينظران إلى الولد .. وهو يتدحرج في الجبل حتى تمزق وتبعثرت أشلاؤه .. وتكسر رأسه .. وخضب الأحجار بدمه .. ومزقت صخور مرو الحداد جسمه .. صاحت الأم صيحة المفارق .. وأرادت أن ترمي بنفسها من على ظهر الحصان .. فأمسكها محمد بن عبد الله.. وسالت دمعة أبٍ لم يمنحه خصومه أن يبكي على ولده .. فإذا لم يسرع فسيمزق جسده .. ويُلحق بولده .. فمن ذا يهدئ روعه؟! أو يمسح الدمع .. أو يداوى جرحه؟! مسكينة أمٌ على إثر الولادة تفقد طفلها .. كان الشقاء يحرمها ومخاضها أن تحتضنه بصدرها .. من ذا يداوي جرحها .. أو يُذهب الحزن العظيم بقلبها.. لما رأت رأس الوليد على الصخور تمزقت أطرافها .. ورأت خدود الطفل بعد بياضها تتفجر منها الدماء .. ورأت أكفاً لم تجن في الدنيا أذىً .. قد قطعت .. فكيف لا تبكي وترمي نفسها؟! .. يا أم طفل قد قتل لا تجزعي .. فأبوه يوماً سوف يتبع طفله .. *** وجعل محمد بن عبد الله يخاطب نفسه وهو يحاول أن ينجو بنفسه: منحرق الخفين يشكو الوِجا ... تنكُبُه أطراف مروٍ حِدادْ شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجِلادْ قد كان في الموت له راحة ... والموت حتمٌ في رقاب العبادْ وبعد طول مطاردة وإشراف على الهلكة .. وتقحم المخاطر .. كتب الله النجاة لأوليائه .. وخيب آمال أعدائه .. فخابت مساعيهم .. ونجا محمد بن عبد الله.. ولم يقترب محمد بعدها من المدينة فترة من الزمن. (5) بعد أن طال شوق محمد بن عبد الله إلى أهله .. وإلى ديارٍ عاش فيها أيام صباه ..وطلب فيها العلم .. واشتاق إلى زيارة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. أضمر في نفسه دخول المدينة .. ولما أقبل عثمان بن مالك -وكان من خلّص أصحابه- أسر إليه بالأمر.. محمد بن عبد الله: يا عثمان بن مالك .. لقد اشتد شوقي إلى أهلي بالمدينة .. وزيارة قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فهل تصحبني إلى المدينة؟. عثمان: إن عيون رياح تتبع كل من يدخل المدينة .. فأخاف أن يقع ما نحذره. محمد بن عبد الله: يكفينا الله شرهم .. ويحفظنا بحفظه. عثمان: فافعل ما شئت .. فأنا معك. *** وخرج محمد بن عبد الله وصاحبه حتى دخلا المدينة متنكرين .. وجعلا يسيران في الطريق مختلطَين بالناس .. فلما انتهيا من زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وطافا ببعض ديار بني هاشم قال محمد بن عبد الله لرفيقه: - يا عثمان .. ألا تأتي فنصلي ركعتين في مسجد الفتح؟ ثم ننصرف. عثمان: إذاً فلنسلك هذه الطريق - وأشار إلى أحد الشوارع .. كان الشارع خالياً من المارة وازدحام الناس .. فسارا حتى توسطا الطريق .. وإذا بكوكبة من الفرسان يظهرون من أعلا ذلك الشارع. عثمان: يا مولاي هذا رياح وأعوانه .. محمد بن عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون. كان محمد بن عبد الله يسير باطمئنان .. وكأن شيئاً لم يحدث .. ولم يلتفت ولم يغير من مشيه .. محمد بن عبد الله: إمض يا عثمان واسبقني. فجعل عثمان بن مالك يسرع في المشي .. وقدماه لا تكاد تحمله خوفاً أن تكون هذه هي لحظة النهاية .. جعل الإمام يواصل سيره .. فلف رداءه .. وغطى يديه .. وأسدل شيئاً على وجهه. فلما صار على مقربة من موكب رياح .. انحاز إلى ناحية الطريق .. فجلس وجعل الطريق من ورائه .. فلما قابله رياح ومن معه .. التفت إليه رياح .. ثم عاد ينظر إلى أصحابه فقال -وقد أخذ يضحك ويقهقه: امرأة رأتنا فاستحيت... ثم واصل سيره مع أتباعه. كان عثمان يرقب هذا الموقف .. وقد صار لا يقوى على الصبر .. لقد كانت المفاجأة مذهلة .. ولكن من عاش مشرداً منذ الصبا لا يهزه مثل هذا الموقف .. ولا يضطرب أمره عندها..ولما انصرف موكب رياح .. قام الإمام من مكانه وتوجه بصاحبه نحو مسجد الفتح.. فصلى هناك ووقف يدعو الله ويناجيه طويلاً .. ثم خرج مع صاحبه على طريق الحرة .. ومضى حتى قابل بئراً فيها .. وكان الوقت قبيل الغروب .. فإذا برياح مرة أخرى .. يطل مع فرسانه .. بعد رحلة صيد وبحث عن محمد بن عبد الله.. كانت المفاجأة للإمام أعظم من الأولى .. فلا ملجأ ولا مهرب .. وقد صار على مقربة منه.. وأقبل نحو البئر .. فوقف الإمام بين قرنيها .. يظهر أنه يستقي .. فأقبل رياح نحو البئر .. حتى أيقن الإمام أنه لن يفلت هذه المرة.. وأن رياحاً سيعرفه .. فلم يلتفت الإمام إليهم .. بل جعل يجر حبل الدلو.. وهو يتلو بعض آيات من القرآن.. فمر رياح بمحاذاة البئر .. وجعل ينظر إلى ذراعي محمد بن عبد الله .. وقد أعجب بقوتها.. فانشغل بهما عن النظر إلى وجهه .. فالتفت رياح إلى أصحابه وراح يضحك ويقول: - قاتله الله من أعرابي .. ما أحسن ذراعه. ثم واصل رياح سيره .. وكأنه لم يكن معنياً بأمر البحث عن الإمام ..{وَجَعَلْنَا من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} .. كانت حياة الخوف والتشرد والبُعد عن الأهل والوطن حياة قد أثقلت كاهل الإمام ..فمنذ عرف نفسه وهو يطارد ويتابع .. فبالأمس مع ولاة خلفاء الدولة الأموية .. واليوم مع أمراء الدولة العباسية .. فإلى متى يعيش حياة التشرد والخوف؟ .. إلى متى؟؟ .. |
رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(2)
الفصل الثاني كانت السنة الثالثة توشك أن تنقضي أيامها وعبد الله بن الحسن حبيس السجون في المدينة لا يمر عليه زمنحتى يساومه الظالمون في ولده لكي يسلمه إليهم .. ليسفكوا دمه.. وكما ساوموا أبا طالب بالأمس ليسلم إبن أخيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طغاة قريش ليقتلوه .. ها هم اليوم يساومون عبد الله بن الحسن -حفيد أبي طالب- ليسلم ولده -محمد بن عبد الله(ع) إلى طغاة بني العباس ليقتلوه .. وبعد طول انتظار وترقب من أبي جعفر .. أيقن أنه حان الوقت ليحسم هذا الأمر.. وعلم أن كل الناس عاجزون عن أن يأتوا بمحمد وإبراهيم .. فأسرّ في قرارة نفسه أن يعالج الأمر بنفسه .. وعزم على الحج في ذلك العام الذي كان يوافق سنة 144 هجرية .. وأهم أهدافه هو وضع حدٍ لهذه القضية التي انكت قلبه .. وأثقلت كاهله .. فلما أطلت الأشهر الحرم .. ودنت أيام الحج .. خرج أبو جعفر ليكون على رأس الموسم .. وبدأ رحلة طويلة .. لا يمر ببلدة إلا ونزل بها يتلمس الأخبار علّهُ يجد بُغيته .. *** وفي المدينة علم الناس بقدوم أبي جعفر للحج في هذا الموسم .. فانشرحت صدور أقوام .. وضاقت صدور آخرين.. وكان من أشد القلوب ضيقاً وأكثرها خوفاً .. والي المدينة رياح بن عثمان المري.. فبماذا يجيب أبا جعفر .. إن سأله عن محمد وإبراهيم .. أيقول له: عجزت عن الإتيان بهما فيعزله عن ولايته .. أم كيف يجيبه إن سأله: أين ذهبت الأموال من بيت المال؟ .. ويا ترى كيف سيكون مصيره هل سيكون مصيره مصير زياد الحارثي، وابن القسري؟ أو أنه سيكون له شأن آخر؟ وهل سيعود بعد الإمارة صعلوكاً من صعاليك العرب .. يشبع يوماً ويجوع آخر؟ و هذا شيءٌ لا يطاق .. لا يطاق !! .. *** كانت مثل هذه الأفكار والتساؤلات قد أسهرت ليله .. وسلبته راحته.. فخرج إلى المسجد الجامع .. مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أشد انفعاله.. وأمر أن يؤذن في الناس .. الصلاة جامعة .. فاجتمع أهل المدينة .. ومن حضرها لاستقبال موسم الحج .. وأقبل رياح .. فصعد المنبر .. وجعل ينظر إلى الناس نظرة من لو تمكن لضرب أعناقهم لفعل.. فقد صار يتهم الجميع .. فبدأ رياح خطبته المُنْكَرة بذكر أهل المدينة.. وأفحش القول في كل من سكنها .. فسكت الناس ولم يجيبوه .. ثم تحول إلى ذكر آل الحسن وخصوصاً محمداً وإبراهيم.. فجعل يقول: أين الفاسقين؟ الخالعين؟ المحاربين؟! وتكلم بكلام رماهما فيه بالفاحشة .. ثم تكلم في أمهما هند بنت أبي عبيدة.. فرماها بالمنكرات .. فكبُر على أهل المدينة ما قاله رياح في آل الحسن .. لما يعرفون من فضلهم .. ومكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وجعل من في المسجد يقولون بأعلى أصواتهم: سبحان الله .. سبحان الله .. الله أكبر .. الله أكبر .. ففزع رياح من هذا الموقف .. وجعل يتوعدهم قائلاً: - يا أهل المدينة .. إنكم لأكلُّ الناس عن شتمهما .. ألصق الله بوجهكم الذل والهوان .. أما والله لأكتبن إلى خليفة المسلمين.. فلأعلمنه غشكم وقلة نصحكم. فارتفعت الأصوات من أطراف المسجد: والله لا نسمع منك يا ابن المحدودة. وبدأوا يرمونه بالحصى .. فلم يجد من طريق أمامه إلا أن يولي هارباً .. فاقتحم دار مروان وأغلق عليه الباب. وخرج الناس يتبعونه واصطفوا يريدون أن يقتحموا عليه داره .. وجعل الناس يشتمونه .. وينتصرون لآل بيت نبيهم .. ولكن عيون بني العباس وأنصارهم انطلقوا في أوساط الناس يخذلونهم ويحذرونهم نقمة الخليفة عليهم، وقرب وصوله إليهم .. فتراجع الناس .. وكف بعضهم بعضاً.. (2) كان والي صدقات المدينة عين أبي جعفر ومحط ثقته -عبد العزيز بن سعيد- قد خرج إلى أبي جعفر .. فنقل له أخبار المدينة .. ولما انتهى عبد العزيز من حديثه أظهرأبو جعفر الضيق والحسرة واليأس .. فكيف يصل إلى محمد وإبراهيم؟ وعلم الخليفة من هذه الأحداث أن أمر محمد وإبراهيم قد استفحل .. وأن كل ما بذله من أجل أن ينزع حب أهل البيت من قلوب الناس قد باء بالفشل.. وكان في مجلسه عبد الله بن عمران بن أبي قرة .. فالتفت إلى أبي جعفر وقال له: - أتطمع أن يخرج لك محمد وإبراهيم .. وبنو الحسن مُخَلُّون؟ والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد. كان لهذه المشورة عظيم الأثر في قلب أبي جعفر .. فقد علم أنه لم يطلقها إلا خبير بأحوال أهل المدينة .. ذو دهاء وفطنة.. أبو جعفر: يا عبد الله .. من أشار عليك بهذا الرأي؟ عبد الله: فليح بن سليمان. فدعا أبو جعفر من ساعته مبعوثه الخاص أبا الأزهر المهري وقال له: - يا أبا الأزهر .. إسبقني إلى المدينة .. وأْمر رياحاً أن يأخذ من بني الحسن .. حسناً وإبراهيم إخوة عبد الله بن الحسن .. وحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن.. وسليمان وعبد الله ابني داود بن الحسن بن الحسن .. ومحمد وإسماعيل وإسحاق أبناء إبراهيم بن الحسن بن الحسن .. وعبد الله وعباس ابني الحسن بن الحسن بن الحسن .. وأن يضعهم في السجن ويوقرهم بالحديد. *** أقبل أبو الأزهر إلى المدينة .. ونقل إلى رياح ما قاله أبو جعفر .. فكان في هذا الأمر جلاء همه .. وذهاب حزنه .. وبادر رياح على الفور إلى تنفيذ الأمر.. فبعد أن عاد الناس إلى ديارهم بعد صلاة العشاء .. خرج قائد شرطة رياح مع جنوده ..فأقبلوا إلى دور بني الحسن على غرة .. فجعلوا ينزعون الرجل من بين أهله وعياله .. لا يدري لأي شيء يطلبونه.. فيقيدونه بالحديد ويرسلونه إلى القبة التي فيها عبد الله بن الحسن .. وأقبل الجنود على العباس بن الحسن المثلث وهو جالس على باب الدار .. وأمه عائشة بنت طلحة بن عمر تحدثه .. فلم يشعر إلا وقد أخُذ من أطرافه .. ووضعت القيود في يديه وقدميه.. فجعلت أمه تنادي: دعوني أشمه .. دعوني أشمه .. قائد الجند: لا والله ما كنت حية في الدنيا. وجمع بنو الحسن في سجن رياح بن عثمان المري .. وخليت المحاريب من روادها .. وحلقات العلم من شيوخها .. وأقفرت شوارع مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبناء سبطه الأكبر .. لم يبق حراً طليقاً من آل الحسن ممن له شأن ومكانة في قلوب الناس إلا علي بن الحسن المثلث الذي كان يسمى علي العابد.. فضاقت به أرجاء المدينة واستوحش من أهلها.. فلما صلى الفجر .. أقبل على رياح وهو جالس في رحاب المسجد النبوي مع جمع من رفاقه .. فوقف جانباً ينظر إلى رياح .. ثم تقدم نحوه متلففاً في ساج له .. رياح: مرحباً بك وأهلاً وسهلاً. علي العابد: جئت لتحبسني مع قومي. رياح: من علي.. العابد؟! أما والله ليعرفها لك أمير المؤمنين .. خذوه فألحقوه بأهله. وضاق السجن بمن فيه من بني الحسن، وزياد بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن خالد القسري، وأخيه، وكاتبه رزام .. فمن يحمي النساء إن غاب حاميها؟! .. ومن للشيخ الكبير؟ .. ومن للطفل كي يرعاه؟ نفسي الفداء للقاطنين بسجنهم .. والهاجرين ديارهم .. هرباً بدين الله من نفي الطغاة .. وأرسل عبد الله بن الحسن يستأذن أن يشتري لهم داراً تسعهم يكون سجناً لهم.. وإن كان السجن هو السجن حتى ولو كان باتساع الأرض.. وبعد طول انتظار أتت الرسل بإذن رياح .. فاشترى عبد الله داراً واسعة فنقلوا إليها.. *** وعلم محمد وإبراهيم بما حل بأهلهما .. فاشتد حزنهما.. وعظمت بلواهما.. فتوجها نحو المدينة رغم الخوف والخطر.. حتى وصلا إلى الدار وليس فيها إلا أمهما هند بنت أبي عبيدة.. محمد: أماه.. إني قد حمّلت أبي وعمومتي ما لا طاقة لهم به.. ولقد هممت أن أضع يدي في أيديهم .. فعسى أن يُجلى عنهم.. هند: لا تفعل يا بني حتى يأتيك رأي أبيك. محمد: ومن يكون رسولي إلى أبي .. وقد ضيق رياح على الرسل؟! هند: أنا يا بني أتنكر فآتيه في هيئة الرسل .. ثم آتيك برأي أبيك. وغيرت من لباسها .. حتى صارت كهيئة الرسل.. ثم خرجت إلى الدار التي فيها آل الحسن .. فأذن لها في الدخول على أنها رسول إليهم .. فلما دخلت عرفها عبد الله بن الحسن .. فأسرع إليها .. عبد الله: خيراً يا امرأة .. ما أخرجك من بيتك على مثل هذا الحال .. عسى أن لا يكون قد وقع بمحمد وإبراهيم مكروه. هند: لقد تركتهما في الدار .. فقد أتاني محمد وقد ضاقت نفسه لسجنكم .. وأراد أن يأتيكم ويضع يده في أيديكم .. ليفك عنكم أسركم. عبد الله: كلا .. بل نصبر .. فو الله إني لأرجو أن يفتح الله به خيراً ..قولي له فليدع الأمر .. وليجد فيما هو فيه .. فإن فرجنا بيده. فخرجت هند من السجن وعادت إلى دارها .. فأخبرت ولديها برأي أبيهما وأثنت الإمام عن عزمه. |
رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(2)
الفصل الثالث توجّه أبو جعفر لأداء فريضة الحج ونزل بالربذة قبل أن يدخل المدينة في ذي القعدة عام 144 هجرية..فلما علم رياح بنزول أبي جعفر بالربذة، خرج إليه في وجوه أهل المدينة .. ورياح يرجو أن يكون قد رضي مولاه وخليفته عنه بما فعله بأبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فلما جلس إلى أبي جعفر أطلعه على أخبار المدينة التي لم يكن بغافل عنها .. فعيونه ينقلون إليه الأخبار بلا انقطاع .. أبو جعفر: أخبرني يا رياح .. أين ترى محل آل أبي طالب من قلوب الناس .. رياح: يا أمير المؤمنين .. أما أهل خراسان فشيعتك وأنصارك .. وأما شيعة أهل العراق فشيعة آل أبي طالب .. وأما أهل الشام فو الله ما هو عندهم إلا كافر .. وما يعتدون بأحد من ولده .. ولكن أخاهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان .. والله لو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم رجل. أبو جعفر: فعد إلى المدينة وأرسل إليَّ من في سجنك من آل الحسن .. وأرسل إلى أخيهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان .. فأخرجه معهم .. واستصف أموالهم واعرضها للبيع. *** كان أبو جعفر قد أضمر في نفسه أن يضع لهذا الأمر حداً .. حتى لو اضطر أن يقتل كل آل الحسن .. فلما دخل رياح المدينة .. بدأ بالأموال فباعها .. وجرد نساء أهل البيت وأطفالهم من كل ما يملكون .. فجعل أحدهم لا يدري من أين يسد جوعه!! وكيف يستر عورته!! وحين دخل أبو حنين على عبد الله بن الحسن في سجنه.. سأله عبد الله: - هل حدث اليوم من خبر؟ أبو حنين: نعم .. فقد أمر رياح ببيع متاعك ورقيقك .. ولا أدري أأحدٌ يقدم على شرائها؟ عبد الله: ويحك يا أبا حنين .. والله لو خُرِجَ بي وببناتي مسترقين لاشتُرينا! كان عبد الله يعلم أن الناس أتباع سلاطينهم .. وأن كل منافق لا يمكن أن يدخل في قلبه حب أهل البيت (ع) بل هم أشد خصومة .. وأدرك أن أصحاب القلوب المريضة سيبادرون إلى شراء أمواله لينالوا بذلك رضاء السلطان .. ورضاء قلوبهم المولعة ببغض آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. *** وبعد أن انتهى رياح من بيع الأموال .. حمل آل محمد من سجنهم قد أثقلتهم سلاسلهم .. وضاقت بهم أحوالهم.. وأخرجهم إلى الربذة.. وطافت القافلة بشوارع المدينة .. وخرج صبيان آل الحسن.. ونساؤهم ليودعوا آباءهم وإخوانهم في موكب مهيب .. وعزفت الدموع على الخدود أنشودة الوداع .. وخرج أصحاب الأحقاد والضغائن وعباد الهوى .. وأتباع الأمراء .. ليمتعوا أنظارهم برؤية آل محمد يساقون كما تساق الأغنام. فلما صارت القافلة على مشارف المدينة .. التفت نحوهم شيخ حاقد يسمى الحارث بن عامر بن عبد الرحمن فقال لهم: - الحمد لله الذي أخرجكم من بلدنا .. والتفت إليه الحسن بن الحسن وأراد أن يجيبه فأوقفه أخوه عبد الله وقال له: عزمت عليك إلا سكتَّ. فصمت الحسن المثلث وامتثل لأمر أخيه الأكبر .. *** كان هناك شيخ طاعن في السن يرسل الرسول تلو الرسول ليأتوه بأخبار عشيرته وبني عمومه .. كان ذلك الشيخ هو الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر (ع).. فلما أقبل الحسين بن زيد بن علي كان الإمام جعفر ينتظره .. جعفر: ما وراءك؟ الحسين: رأيت بني الحسن يُخرج بهم في محامل. جعفر: إجلس يا أبا عبد الله .. ثم أشار إلى غلام له فقال له: إذهب أنت أيها الغلام .. فإذا رأيتهم قد أقبلوا فاسبقهم .. وأخبرني بقدومهم .. وبينما جعفر بن محمد يصلي ويناجي ربه ويتضرع إليه.. إذا بالغلام يدخل عليه.. الغلام: هاهم قد أقبلوا يا مولاي .. فقام جعفر الصادق من مكانه وصعد إلى مكان يشرف على الطريق .. يراهم من حيث لا يرونه .. وكأنه يريد أن يلقي عليهم نظرة الوداع الأخيرة .. قبيل الرحيل الذي ليس بعده رجوع. فإذا به يرى عبد الله بن الحسن في محمل يتقدم القافلة وبعده آل الحسن .. فهملت عيناه وجرت دموعه حتى خضبت لحيته .. ثم التفت جعفر إلى الحسين بن زيد بن علي فقال: - يا أبا عبد الله .. والله لا تُحفظ حرمة لله بعد هؤلاء .. والله ما وفت الأنصار وأبناء الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما أعطوه من البيعة على العقبة، فقد حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (خذ عليهم البيعة بالعقبة، فقال: كيف آخذ عليهم؟ .. قال: خذ عليهم يبايعون الله ورسوله أن يطاع فلا يعصى وأن تمنعوا رسول الله وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم).. فو الله ما وفوا له حتى خرج من بين أظهرهم، ثم لا أحد يمنع لامس!! اللهم اشدد وطأتك على الأنصار. واختفت القافلة عن الأنظار وتوارت بيوت المدينة عن عيون أصحاب القافلة.. وقطعت القافلة الميل الأول .. ثم الميل الثاني .. فإذا بفارسين كأنهما البرق في لمعانه يطويان الأرض .. ويتجهان نحو القافلة .. كان الفارسان لا يظهر منهما إلا لمعان عيونهما .. جعلا يستعرضان ركاب القافلة .. وقد صار أحدهما عن يمين محمل عبد الله بن الحسن .. والآخر عن شماله .. محمد: أبي .. ماذا ترى أن نفعل؟ .. فإني أخاف عليكم صولة هذا الطاغية .. هل ترى أن أخرج بمن قد بايعني؟ عبد الله: يا محمد .. وأنت يا إبراهيم .. لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك، إن منعكم أبو جعفر أن تعيشا كريمين، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين. واستأذنا أباهما وانطلقا لا يعرف أحد من هما؟ ولا من أين أتيا؟ ولا أين سيذهبان؟ وما هي إلا ساعة من الزمن حتى توقفت القافلة بالربذة .. وأقبل جنود أبي جعفر بالحديد والقيود والأغلال حتى يضيفوها إلى ما على بني الحسن من القيود .. وبدأ الحداد يقيّد أقدامهم ويَغِلّ أيدهم إلى أعناقهم .. وكان عليٌ العابد قد قام يصلي ويتنفل لا يأبه بما يدور حوله.. فصليل القيود وضرب مطارق الحدادين ما كانت لتشغله عن عبادته .. ولكن آهات المتألمين من أهل بيته كانت تعصر قلبه وتنكيه .. فقد كان هناك قيد شديد الثقل .. فجعل آل الحسن يتحاشونه .. وكلما أقبل به على فرد منهم كره أن يقيد به واستعفى .. فلما انتهى علي من صلاته .. التفت إلى أهله فقال: لشد ما جزعتم من هذا القيد .. شرعه هذا. ومد رجليه ليقيد به .. (2) كان محمد بن عبد الله بن عثمان بن عفان قد أُخذ مع أخوته لأمه من آل الحسن بعد أن زوّج ابنته بإبراهيم بن عبد الله بن الحسن.. وبينما جند أبي جعفر يغلون آل الحسن بقيودهم .. أرسل أبو جعفر في طلبه فقام محمد بن عبد الله العثماني من جوار أخيه لأمه عبد الله بن الحسن كأنما خلق من فضة .. طويل القامة .. حسن الخلقة .. وعليه من الثياب قميص وطيلسان أخضر .. فلما وقف بين يدي أبي جعفر قال له أبو جعفر: يا ديوث. محمد العثماني: سبحان الله .. والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيراً وكبيراً. أبو جعفر: فمما حملت ابنتك؟ وقد أعطيتني الأيمان بالطلاق والعَتَاق ألاّ تَغُشّني ولا تماليء عليّ عدواً.. ثم أنت تدخل على ابنتك متخضبة متعطرة، ثم تراها حاملاً فلا يروعك حملها .. فأنت بين أن تكون حانثاً أو ديوثاً .. والله إني لأهم برجمها. محمد العثماني: أما أيماني فهي علي إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته .. وأما ما رميت به الجارية، فإن الله أكرمها بالولادة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. ولكني ظننت حين ظهر حملها أن زوجها ألمّ بها على حين غفلة منا. لم تزد تلك الكلمات أبا جعفر إلا غضباً وغيظاً.. فأراد أن يشفي غيظه.. وأن يغيظ عبد الله بن الحسن ويدخل الهم عليه بتعذيب أخيه لما كان يعلم من محبة عبد الله بن الحسن لأخيه محمد بن عبد الله العثماني.. فنادى على جنوده: - شقوا ثياب هذا الفاسق. فبادر الجنود إلى شق ثيابه .. فلم يبق عليه إلا سترة رقيقة تستر عورته .. ثم أقبل الجلاد فجعل يضربه بسوطه بكل ما أوتي من قوة .. حتى اسود جسمه بعد بياضه .. وأصابه سوط في وجهه .. فتأوه محمد العثماني وقال للجلاد: - ويحك أكفف عن وجهي .. فإن له حرمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أبو جعفر: عليك بالرأس .. الرأس .. الرأس. فضربه الجلاد ثلاثين سوطاً في رأسه .. وأصاب سوط منها عينه .. فسالت على خده. فلما تفجر جسمه بالدماء والتصق الثوب الرقيق بجسمه .. أمر أبو جعفر بخشبة على طول محمد .. فشد فيها عنقه ويداه وحمل إلى خارج حجرة أبي جعفر وقد لصق ثوبه بعورته حتى كادت أن تظهر.. فأسرع إليه غلامه يقول له: - بأبي أنت وأمي .. ألا ألوثك بردائي. فقال له محمد بن عبد الله العثماني: بلى .. جزيت خيراً .. فو الله لشفوف إزاري أشد علي من الضرب الذي نالني. وبعد أن ألقى الغلام عليه الثوب .. أُخذ إلى أصحابه في سجنهم. فلما رآه عبد الله اشتد حزنه .. وجعل يسترجع .. ولا يدري كيف يخفف الآلام عن أخيه .. فقام إليه جماعة من بني الحسن يريدون أن ينزعوا عنه ثوبه.. فإذا بالثوب قد التصق .. فتأوه محمد بن عبد الله لشدة الألم فقال عبد الله لأصحابه: - لا .. دعوه .. هل من رجل يأتينا بزيت؟ فأعطاه بعضهم زيتاً .. فسل الثوب سلاً بعد أن عالجه بالزيت .. وبلغ العطش بمحمد بن عبد الله العثماني مبلغه فجعل ينادي بصوت ضعيف: هل من شربة ماء .. ماء؟ فتوجه عبد الله بن الحسن نحو جمع من الناس كانوا قد اجتمعوا يتفرجون عليهم.. وصاح فيهم: - يا معشر الناس .. من يسقي ابن رسول الله شربة ماء؟ فلم يجرؤ أحد من الناس أن يفعل ذلك .. وتحاماه جميع الناس حتى أقبل رجل خراساني بماء .. فسقاه .. وبينما عبد الله يحاول أن يخفف عن أخيه آلامه .. ويداوي جروحه، خرج أبو جعفر من حجرته .. فركب في محمل على بغلة شقراء.. وهو في شق المحمل ووزيره الربيع يعادله في الشق الأيمن .. فلما أشرف أبو جعفر على المساجين .. إلتفت إليه عبد الله قائلاً: - يا أبا جعفر .. ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر. فرد عليه أبو جعفر أسوأ رد وقال له: إخسأ يا هذا.. ثم تفل عليه، وانصرف لا يكاد يبالي بهم .. أو ينظر إليهم أو يرحم حالهم. فلما توارى أقبل عليهم سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس- عمّ أبي جعفر، وصهر آل الحسن .. فلما أشرف عليهم .. قام إليه عبد الله بن الحسن على سبيل المستغيث فقال له: - يا أخي .. صهري بك صهري .. ورحمي بك رحمي فيما ترى. سليمان: والله لكأني أنظر إلى عبد الله بن علي حين حال أبو جعفر الستر بيننا وبينه وهو يشير إلينا: أيّ شيء هذا الذي فعلتم بي؟! فلو كان عافياً عن أحد عفا عن عمه. فأيقن عبد الله أنها النهاية وأن أبا جعفر لن يرعى لهم حرمة ولا قرابة .. ولن يألو جهداً في إيذائهم. *** وبعد أيام مر أبو جعفر على السجن ورأى جمعاً من الناس ينظرون إلى آل الحسن في قيودهم.. أبو جعفر: ما بال هؤلاء الناس يقفون هنا؟ الربيع: إنما ينظرون إلى محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المسمى بالديباج الأصفر لشدة حسنه.. أبو جعفر: أفي آل الحسن ما يجعل الناس ينظرون إليهم .. ادخلوا علي هذا المسمى بالديباج الأصفر. فلما نظر إليه أبو جعفر قال له: - أنت الديباج الأصفر؟ محمد بن إبراهيم: نعم. أبو جعفر: أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك .. ادخلوا الأسطوانة التي في مكان كذا.. فلما أدخلت أمر بإفراغها .. فلما صارت مفرغة أمر بمحمد بن إبراهيم فأدخل فيها .. فبنيت عليه وهو حي .. وبمثل هذه الجرائم كان أبو جعفر يرسل رسالة صامتة إلى عبد الله بن الحسن .. مضمونها أنه لا رحم ولا قرابة يمكن أن تراعى .. وبأن كل من تسول له نفسه أن يقف في طريقه فإن الموت هو مصيره .. كان أبو جعفر يريد بهذا أن يهز تلك الشخصية التي بلغت من الإباء والعزة .. أن تقطن في السجن عاماً بعد عام .. دون أن يرى منها خضوعاً أو ذلة بين يدي سلطان جائر .. أو دخول في معصية الله .. حتى ولو مجرد السكوت والمداهنة .. كان شعار عبد الله{رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}. ويرفع هذا الشعار الذي لا يقبل المساومة.. بل تجاوزت هذه العبارة إلى: (ربِّ .. الموت والتعذيب والنشور .. أحب إلي مما يدعونني إليه من معاصيك ..).. وبهذا شيد عبد الله في قلب أبي جعفر قصراً من اليأس .. أن ينال شيئاً من عبد الله.. إلا أن كبرياء وجبروت أبي جعفر ما كان ليجعله يعترف بضعفه.. أبو جعفر - وقد خلا ببعض خواصه: كلما رمت من عبد الله ذلة زدته عزة .. فمتى يأتي خاضعاً ذليلاً؟ أحد خواصه: استذله بأهله من ولده وبني عمه فإنه أشفق الناس بهم. أبو جعفر: إذن أفعل .. بل أدخل بينهم الخلاف أو أسلب منه ثقة أهله .. لقد بلغني أن موسى أحب ولده إليه .. ولا أراه يفرط فيه .. ولم يبق معه سواه.. وجعل أبو جعفر يتمتم ببعض كلمات غير مفهومة ورفع صوته بالضحك، ثم حدث نفسه قائلاً: - إن عبد الله لا يقدر على فراق ولده موسى .. فإذا ساوم إخوته أبنائهم كرهوا ذلك منه .. ووقع بينهم الخلاف. ثم صاح بأحد غلمانه: - يا غلام إذهب إلى عبد الله في سجنه وأبلغه أن يرسل إليّ أحدهم وأعلمه أنه غير عائد إليه أبداً. الغلام: أمر مولاي. وانطلق الغلام من ساعته نحو السجن فلما أقبل على عبد الله قال له: - أمير المؤمنين يقول لك .. أرسل إليه أحدكم وأعلم أنه غير عائد إليك أبداً. عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون .. ألا يكفيه ما فعل بنا حتى يفجعنا بقتلنا. نهض جماعة من شباب بني الحسن كل يريد أن يفدي الآخر بنفسه .. وجعل كل منهم يعرض نفسه على عبد الله .. فجعل يردهم بكلام لين لطيف .. عبد الله: جزاكم الله خيراً من أهل بيت .. إني أكره أن أُفجع أهلكم بكم .. ثم إلتفت إلى ولده وقرة عينه .. ومن يرى فيه ملامح الغائبين من ولده قائلاً: - ولكن اذهب أنت يا موسى{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً}. وهكذا كان عبد الله الكامل يعيش للباقيات الصالحات فقط .. وأُخذ موسى وأُسرع به إلى أبي جعفر .. فلما رآه وعلم أنه قد خاب أمله قال له أبو جعفر: - لا أنعم الله بك عيناً .. السياط يا غلام. وصبَّ أبو جعفر غضبه على عبد الله بضرب ولده موسى .. فجعلوا يضربونه حتى أغمي عليه .. فما أفاق حتى كان قد وضع بين يدي أبي جعفر.. أبو جعفر: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني .. فأفرغت منه سَجْلاً لم أستطع رده ومن ورائه الموت أو تُفتَدى منه. موسى: يا أمير المؤمنين .. والله ما كان لي ذنب وإني لمنعزل عن هذا الأمر. أبو جعفر: فانطلق فأتني بأخويك. موسى: يا أمير المؤمنين .. تبعثني إلى رياح بن عثمان .. فيضع علي العيون والرصدة ويعلم ذلك أخواي .. فيهربان مني. أبو جعفر: أكْتُب إلى رياح أن ليس له عليك سلطان .. ولكني أُرسل معك من يكتب إلي بأخبارك... وأرسل أبو جعفر إلى عبد الله من يخبره بذلك. فعلم عبد الله بما أراده أبو جعفر من موسى .. فأرسل إلى أبي جعفر أن يرسل إليه موسى .. حتى يكتب معه إلى محمد وإبراهيم أن يأتياه. فلما وصل الرسول إلى أبي جعفر فرح بذلك واستبشر وأخذ يحدث نفسه قائلاً: - الآن نلت ما أريده من عبد الله .. فقد ضاق به سجنه حتى عرض علي يكتب إلى ولده.. ثم قال لشرطته: دعوا موسى يذهب إلى أبيه .. ودعوه فليكتب له رسالة إلى محمد وإبراهيم.. وكتب عبد الله الرسالة .. ثم اقترب عبد الله من ولده موسى وهمس في أذنه قائلاً: - أبلغهما فلا يأتيانه أبداً .. فإن لم تستطع تكليمهما .. فأنشد قائلاً: بني أمية إني عنكم غان ... وما الغنى غير أني مرعش فان بني أمية إلا ترحما كِبري ... فإنما أنتما والثكل مثلان فإذا حدثتهما بذلك فإنهما يفهمان.. كان عبد الله الكامل يخاف أن يعلم محمد وإبراهيم بما أهلهما فيه من الشدة .. فترق قلوبهما .. فيعجلا في أمرهما..أو يسلما نفسيهما إلى أبي جعفر لينجو أهلهما. *** وأعيد موسى إلى المدينة ظناً منهم أنه سيكون طعماً لمحمد وإبراهيم وعيناً لأبي جعفر عليهم .. فكان أبو جعفر بهذا أعمى الناس بصيرة .. فكيف للأخ أن يسلم أخاه؟! .. بل كيف للأخ أن يبيع حياته وحياة إخوته .. ومن يضمن لموسى إن دلهم على أخويه أن يكون في ذلك نجاته؟.. ونزل موسى في بيت مروان .. يخرج منه صباحاً فلا يعود إلا ليلاً .. يتحين الفرصة للقاء إخوته .. ينقل إليهم ما خفي عنه من أحوال أهلهم ..ويبحث عن أهل الحاجة من أهله الذين غاب عنهم رجالهم وساء حالهم .. وضاقت معائشهم .. وامتنع الناس من إعطائهم .. إما خوفاً وفرقاً من أبي جعفر .. أو بغضاً وحسداً .. فكان مقامه في المدينة رحمة من الله لأهل بيت النبوة .. وغيظاً لرياح وأعوانه .. فكان رياح لا يتجاسر أن يعرض له في طريق ولا أن يمنعه من شيء أراده .. (4) جعل أبو جعفر فترة مقامه في مكة والمدينة يتلمس أخبار محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن.. فدخل عليه يوماً عمه عيسى بن علي .. فأسر إليه حديثاً .. عيسى: لقد بلغني أن عبد الرحمن بن أبي الموالي يعرف مكان محمد وإبراهيم وهو أكثر الناس اختلاطاً وحباً لبني هاشم .. فارسل من يأتيك به. أبو جعفر: أهو هو؟ عيسى بن علي: نعم .. هو هو يا أمير المؤمنين .. وإن أنت شددت عليه أخبرك بمكانهما. فأسرع أبو جعفر في طلب عبد الرحمن .. فلما دخل عبد الرحمن على أبي جعفر بدأه بالتحية.. عبد الرحمن: السلام عليك يا أمير المؤمنين. أبو جعفر: لا سلام عليك .. أين الفاسقان ابنا الفاسق؟ .. أين الكاذبان ابنا الكاذب؟ عبد الرحمن- في ثبات الرجل المؤمن بموقفه: يا أمير المؤمنين .. هل ينفعني الصدق عندك؟ أبو جعفر: وما ذاك؟ عبد الرحمن: امرأتي طالق إن كنت أعرف مكانهما. أبو جعفر: كذبت .. السياط يا غلام. ونزلت نقمة الظالمين على ذلك الضعيف المسكين .. فضرب أربعمائة سوط .. واستنقذ الله عبده المسكين بغيبوبة، لم يشعر بعدها بما يفعل به .. ولم يفق إلا على صليل أصوات حديد قيود عبد الله بن الحسن وهو يداوي جراحه ويغسل عنه الدماء .. ودموعه تخضب تلك اللحية البيضاء .. التي تزين وجه شيخ يشع النور منه، يكاد المرء أن ينسى جميع آلامه .. كلما نظر إليه .. *** وبعد أيام أصدر أبو جعفر أمره إلى أبي الأزهر بحمل المساجين من بني هاشم ومعهم محمد بن عبد الله العثماني إلى الهاشمية في العراق ليكون سجنهم في قصر ابن هبيرة .. وبدأت القافلة سفرها بخطى حثيثة نحو العراق .. وبعد أيام من السفر ظهرت منارات وبيوت النجف على بعد .. وأخيراً .. أشرفت القافلة على مرقد الإمام علي (ع) والمسجد الأعظم .. وأشرأبت أعناق آل الحسن .. يتطاولون لكي يروا قبر أبيهم أمير المؤمنين (ع).. وسبحوا في ذكريات الأمس الغابر .. يوم كان أمير المؤمنين يقود الجيوش وعلى يمينه ابن عمه عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة .. فكان أشد الناس طاعة لأمير المؤمنين (ع).. فكيف لو اطلع ابن عباس على أحفاده ورأى ما يفعلون بأحفاد ابن عمه ومولاه أمير المؤمنين (ع)؟!. وتأوّه ذلك الشيخ الطاعن في السن .. الذي أكلت السجون والأحداث ما لان من جسمه .. وتركته كهلاً .. قد ابيض شعر رأسه ولحيته .. ثم التفت ينظر من بعيد إلى مرقد جده والبيوت التي تكتنفه ..وتساءل في نفسه: -أما في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية؟ .. كان عبد الله يحدث نفسه بتلك الكلمات .. وهو يرى الأمة تقف موقف المتفرج وكأن لا شأن لهم بما يحدث .. ولكن كلماته تلك كانت قد تجاوزت القافلة إلى شابين من أهل النجف كانا على مقربة منه .. فأسرعا إلى سلاحهما .. ثم أقبلا نحو الموكب مسرعين وقد أخفيا سيوفهما تحت ثيابهما.. فلما اقتربا من مركب عبد الله بن الحسن قالا له: - قد جئناك يا ابن رسول الله .. فمرنا بالذي تريد. جعل عبد الله ينقل بصره بين القيود التي في أيدي وأقدام بني هاشم .. ثم ينظر إلى الشابين .. ويسرع ببصره إلى تلك الجموع التي قد أحاطته من جنود بني العباس.. فقال لهما: - قد قضيتما ما عليكما .. ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً .. فانصرفا .. فولى الشابان وأعينهما تفيض بالدمع حزناً وكمداً على آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يجدا ما يفعلان في سبيل نصرتهم. وأكملت القافلة مسيرتها .. حتى دخلوا الهاشمية .. فإذا بالسجون قد هيئت لاستقبالهم .. ففتح لهم سرداب مظلم تحت القصر .. فأدخلوا فيه .. لا يكاد أحدهم يرى أخاه لشدة الظلام .. *** وكان أبو جعفر قد عاد بعد أداء فريضة الحج خائباً .. منكسر البال .. كئيب النفس..لا يستقر به حال ولا يقر له قرار .. قد ضاق به ملكه .. وتنغص عيشه.. لا يدري أي طريق يسلك في أمر محمد وإبراهيم..! فقد بذل الأموال فلم تُجْد شيئاً.. ونشر الجواسيس في كل بلاد .. واستخدم كل طرق الإرهاب .. ولم يداخله شك في قريب ولا بعيد .. إلا وكان مصيره السجن أو القتل.. فماذا يمكن أن يفعل؟! .. فجعل يلجأ إلى طريق أخرى .. فقد أشاع في الناس أنه يمتلك مرآة إذا نظر فيها علم عدوه من صديقه .. وفي أي بلد ينزل وشاع هذا الخبر .. وهاب الناس أمر أبي جعفر .. ثم جعل أبو جعفر يجمع السحرة والمنجمين يأمرهم أن ينظروا في النجوم ليعرفوا هل قد آن لملكه انقراض .. ويعرفون له موقع محمد بن عبد الله .. فكانوا لا يكفون عن ضرب رمالهم .. والنظر إلى النجوم .. فإذا أدْلوا بشيء من كذبهم إلى أبي جعفر .. أرسل إلى واليه على تلك المنطقة أن أرسل بطلب محمد في مكان كذا وكذا .. وبينما هو على مثل هذا الحال .. إذ أقبل إليه رسل والي المدينة .. فأمر بإدخالهم.. أبو جعفر: ما خبر المدينة وأهلها؟ أحد الرسل: هذه رسالة رياح بن عثمان المري. تصفح أبو جعفر الرسالة فإذا فيها: ((إلى أمير المؤمنين .. من خادمك المطيع رياح .. لقد أبقيت لنا موسى بالمدينة .. ليكون عيناً لإخوته علينا .. فماذا ترى أن نفعل؟)) .. ثم طوى الرسالة وقال لكاتبه: أكتب إلى رياح: ((إذا وصل إليك كتابي .. فكبل موسى بالحديد واسله إلى العراق)). *** وفي سجن ابن هبيرة .. عبد الله بن الحسن: أفيكم من يعرف أي وقت هذا .. هل الليل قد دخل؟! .. أم لا زال الوقت نهاراً. الحسن: ومن أين لنا أن نعرف الليل من النهار .. وليس في هذا السرداب نافذة تطل منها الشمس أو يرى منها الضوء .. إبراهيم: فكيف نعرف وقت الصلاة فنؤديها؟ علي العابد: إن وقت المغرب قد دخل فقوموا بنا لنصلي. عبد الله: وكيف عرفت هذا يا ابن أخي؟ .. وقد إنْبَهم على جميع أهل بيتك في هذا السجن المظلم. علي العابد: كنت أعتاد أن أقرأ أورادي.. وأتلو من القرآن كذا وكذا من بعد صلاة العصر فلا أتمها حتى يدخل وقت صلاة المغرب .. وها أنا قد أتممتها. وهكذا كان الجميع في ذلك السجن المظلم يؤدون فروضهم .. لا يجدون ما يدلهم على الوقت إلا رواتب كان يؤديها علي العابد بن الحسن المثلث. *** وطالت أيام السجن .. وساءت أحوالهم .. وضعفت أبدانهم .. حتى صار الرجل منهم لا يجد صعوبة في أن يخلع قيوده .. فكان الجميع يخلعون قيودهم فإذا سمعوا صوت قادم أعادوها.. إلا علي العابد فإنه كان لا يخلع قيده ولا يحله عن قدمه .. فلما أثرت القيود في ساقيه لكثرة قيامه وقعوده في صلاته أقبل عليه أبوه وبني أعمامه.. الحسن المثلث: يا بني ما منعك أن تفك قيودك؟ علي: لا والله لا أخلعه أبداً حتى أجتمع أنا و أبو جعفر عند الله فيسأله لم قيدني به؟ فبكى الجميع .. وتوجهوا إلى الله يدعونه أن يعجل بفرجه.. فجعل علي يرفع صوته بالدعاء قائلاً: (اللهم إن كان هذا سخط منك علينا فاشدده حتى ترضى). عبد الله بن الحسن: ما هذا يرحمك الله؟ أتدعو لنا أم علينا .. ألا ترى ما نحن فيه من البلاء؟ .. ألا تدعو الله عزّ وجلّ أن يخرجنا من هذا الضيق والبلاء؟! .. علي: يا عم .. إن لنا في الجنة درجة لم نكن لنبلغها إلا بهذه البلية .. أو أعظم منها .. وإن لأبي جعفر في النار موضعاً لا يبلغه حتى يبلغ منا مثل هذه البلية أو أعظم منها.. فإن شئت أن تصبر فما نوشك فيما أصابنا أن نموت فنستريح من هذا الغم .. كأن لم يكن منه شيء .. وإن تشأ ندع ربنا أن يخرجنا من هذا الغم ويقصر بأبي جعفر غايته التي له في النار، فعلنا. عبد الله: لا .. بل نصبر .. فاسمع أنت ومن معك من أهلك في هذا السجن ما أخفيت عنكم. علي: ما ذاك يا عماه .. أهو أشد مما نحن فيه؟! عبد الله: حدثتني فاطمة بنت علي الصغرى عن أبيها علي بن أبي طالب (ع) عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يدفن من ولدي سبعة بشاطئ الفرات .. لم يسبقهم الأولون ولا يلحقهم الآخرون)) .. علي: ولكن نحن ثمانية؟! عبد الله: هكذا سمعته. فعلم الجميع أنهم مقتولون وأن هذا السجن هو قبرهم .. فجعلوا من السجن مسجداً لا يسمع فيه ولا يرى إلا قائماً يصلي أو راكعاً أو ساجداً .. أو تالياً للقرآن أو مناجياً ومستغفراً .. كل يرجو أن يقبل على الله بصحيفة قد ضاقت بالأعمال الصالحة. فما أشقى يداً شاركت في قتلهم!! (وعند الله تجتمع الخصوم) |
| الساعة الآن 12:22 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Trans
ضاوي الغنامي تواصل::dawi ® طيور الامل © 1,0
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
e3laN by kashkol