حكاية العجوز والفتاة
حكاية العجوز والفتاة
هذه الحكاية ما روي أن قاضيا بصنعاء اليمن بالقرن الثامن مشهور بالعدل والصلاح وشدة الغيرة على أهله وكان له ابنة ذات حسن وجمال علمها القرآن وعلمها من فنون العلم والأدب خطبها كثير من أهل الجاه والثراء فكانت ترفضهم ولا ترضى بالزواج من أحد منهم وكان لا يدخل عليها وعلى أهلها أحد من الجيران إلا من يثق بهم من أهل التقوى والإستقامة والصلاح وكانت عجوزا تردد عليهم من حين لآخر تقول أنها صائمة النهار قائمة الليل لا تفتر من ذكر الله تعالى فكانت تغشاهم فيرحب بها القاضي ويرحب بها أهله فلا ترى إلا في ذكر وذات يوم انفردت بالبنت وقالت لها: يا بنتي كم هذا الرفض من الأزواج وأنت من بنات المناصب العالية وقد خطبك الكثير من الرجال الأكفاء من الأثرياء وأهل الدنيا الواسعة ومن العلماء والفضلاء، فأجابتها لولا أنك محبوبة لدينا وأبي وأمي وأخواني يحترمونك لفضلك وصلاحك ما كلمتك، أنا لا أتزوج إلا من رجل تطمئن له نفسي ويرغب إليه قلبي، وأبي وأمي لا يجبروني على شيء لا أرغبه ولا أريده، فقالت العجوز: بارك الله فيك ومتعك بأبيك هذا التقي وأمك الطيبة ولكن لو خرجت عند الجيران مع أمك لترتاحي وتقلبي الجو من وحشة الوحدة والقراءة والكتب وعمل البيت، وفي المثل ساعة لربي وساعة لقلبي، فقالت الفتاة: إن أبي غير آذن لي بالخروج وأمي لا تخالف له رأي فقالت العجوز: بارك الله فيك أيتها الصبية المباركة ذات الجمال الفائق ولكني من قد علمت حبي لك ولأبيك مطعم المساكين وأمك صاحبة الخير والمساعدة فلو خرجتي معي ليلة الجمعة بعد خمسة أيام ففي حارتنا عرس لأحد الجيران الأغنياء تتفرجي وقد جائتني دعوة لي ولمن أحب وسأكون معك ملازمة مثل الظل لا أزول عنك وإذا شئت جلست في بيتي وكوني على الشباك في المنظر وأفراح العرس بجنب بيتي كأنك عندهم في الحفلة إذا لم تريدي أن تخرجي عندهم، أنظري ما أحسن هذا الرأي وسترتاحين حين ترين البنات الجميلات اللابسات أحسن الثياب والعروسة بينهن وتسمعين الزفة الصنعانية بين زغاريد الصبايا والمحجبات مثلك من كل بيت والمغنيات اللواتي يأخذن بمجامع القلوب وترتاحين وتخرجين من هذه الغمة ولو لمدة ساعة وأردك بنفسي لا اركن بك على أحد، فقالت: الفتاة ومعك شباك مثل شباك مكان أبي مطل على الحفلة؟ قالت: نعم ومفروش بسجادة جميلة وفي نوافذه شتلات النرجس والورود والريحان أقضي فيه أيامي ساعة أذكر ربي وساعة أتفرج على الناس وعلى الغادي والرائح وعلى أطفال الحارة وهم يلعبون، صدقيني إنها متعة لو ترين ذلك لارتحت كثيرا، قالت البنت: وسيحضر العرس بنات مثلي؟ قالت العجوز: ياللعجب كل بنات الحارة والكثير من بنات صنعاء حتى بنات الإمام وبنات الحاكم والعامل والمشايخ، قالت البنت: وأجلس أتفرج من الكشك ولا أخرج وأنت عندي لأنني أستحيي، قالت العجوز: هذا على اختيارك فإن شئت خرجت أنا وإياك ولا أفارقك لحظة واحده وسترين بنات مثلك يرقصن ويغنين ويزغردن لأن الدف جائز في الأعراس إفهميني إفهميني ..فقالت الفتاة شوقتيني ولكن أبي لا يأذن لي عند أحد، قالت العجوز: ولكني سأكلمه وصدقيني ستفرحين وتمرحين مع البنات الجميلات وتنظرين العروس متوجة والورد على رأسها، ساعة فقط وأردك إلى البيت، وقاطعت الحديث الفتاة: والبنات أجمل مني قالت العجوز: كلا ما رأت عيني مثلك في بنات صنعاء كلهن الله يقرع الشيطان، مارأيك يابنتي أقل للقاضي وأمك قالت: نعم. وقامت الفتاة تستأذن للعجوز من أبيها وقالت له: هذه العجوز الفاضلة تريد أن تسلم عليك يا أبي مسكينة طيبة دعوها تسلم عليكم وأعطوها شيء، فقامت العجوز ونشرت مسبحة طويلة وتسترت بستارها الكبير وذكرت: الله الله الله ما شاء الله على الصالحين ودخلت على القاضي،، صباح الخير ياقاضي كيف حالكم، لم أعد أقدر على القيام إذا قعدت، ماشاء الله عليكم يا قاضي رجعتم شباب ماشاء الله ما هذه الصورة الطيبة؟ قال القاضي: اتركي الهزل إنما هو خظاب وليس شباب، فقالت العجوز: هنيئا لك الدنيا والآخرة الجميع يذكركم بالخير ويثني عليكم، وقالت: إبنتكم هذه الجوهرة النفيسة لماذا لا تزوجوها؟ قال: قد خطبها أناس طيبين أكفاء شرفاء كرام ولكن لم تقبل منهم أحدا ماذا نفعل؟ أنا مرتاح منها جالسة على مصحفها وكتابها لا تفارقهما، قالت ما شاء الله ما شاء الله قرع الله الشيطان منكم ومن بنتكم وزوجتكم، الطيب لا ياتي إلا بطيب، ونهضت العجوز وهي تقول مع السلامة وحنت وونت واستوت قائمة وقالت: ما رأيكم يا قاضي عند جيراننا عرس ليلة الجمعة لو تأذنوا لبنتكم تخرج معي، فقاطعها الأب لا لا لم تخرج من قبل عند أحد فغمزت البنت للعجوز أن أعيدي له ما قلت لي، فقالت العجوز: إنني سوف ألازمها ولا أفارقها ولمدة ساعتين وإذا مرادها أن لا تخرج إلى العرس جلست في الكشك تتفرج إلى أن تتم الحفلة والزفة وسأرجعها بنفسي، بالله عليكم يا قاضي أأذنوا لها وأنا ملتزمة لكم أنني ما أفارقها، أجابت الأم أأذنوا لها تسمر قليلا وتردها هذه العجوز الطيبة، قال الأب: لا بأس على رأيها هي مباركة ولا تحب مجامع النساء لكن إذا كانت ستتفرج من الكشك فلا بأس، وقاطعت العجوز أعدكم أنني ما أفارقها إلى أن ترجع. دعوها تروح عن نفسها ساعة إلى متى وهي مع الكتب والقراءة مغلق عليها، أجاب القاضي ما رأيك يا بنتي؟ قالت: الرأي لكم أنت وأمي فقال: لابأس أن تحضري بعد العشاء ليلة الجمعة نصلي وتذهب معك وكوني حريصة عليها لا تفارقيها، وفارقتهم قائلة سآتيكم ليلة الجمعة، وطاش عقل المسكينة لما قد أغرتها العجوز من وصف العروس وبنات الإمام والترايب اللواتي من ورائها. وانتظرت الفتات بفارغ الصبر تحسب لياليها وأيامها وساعاتها ودقائقها ولم تدر ما وراء تلك العجوز من البلاء والجرائم، وجائت ليلة الجمعة وحضرت العجوز على الموعد وقرعت الباب بعد أن رأتها الفتاة من النافذة فانطلقت حتى كادت تقفز من جرف المفرج وفتحت لها ورحبت بها وسهلت. قالت العجوز: هل لبستي أسرعي فالبسي أحسن ما عندك من الثياب لتكوني أحسن البنات الحاضرات فأسرعت البنت ولبست أحسن ما معها وقد كانت تجهزت من قبل بالحمام والحنا والنقش والكحل المتعارف به عندهم ولما أصلحت من نفسها دخلت على أبيها وأمها، قال الأب: ما شاء الله أحسن من بنات الترك، هل جاءت العجوز؟ قالت الأم: نعم جاءت وسبحان الله ما أطيب هذه العجوز لا ترفع رجلها ولا تطرحها إلا ذكرت الله فقال الأب والأم: مع السلامة يا قرت العين الله يهنئ من أنت من نصيبه، وقامت الأم لتؤكد على العجوز وعلى ابنتها أن لاتتأخر عن الساعة السادسة أو قبل منتصف الليل وقابلتها العجوز اطمئنوا فسأرجعها بعد أن تنظر إلى العروس وبعد أن ترقص مع البنات أمثالها، فسمعها الأب وخرج من غرفته قائلا: لا لا ابنتي لا تعرف الرقص، هي زنجبيل بغباره، حورية من حور الجنة لا تعرف الرقص ولا اللعب لم تخرج عند أحد ولكن تتفرج، أنتبهي يابنتي، وخرجت العجوز بها محلاة مكحلة منقشة بأحسن زينتها وثيابها ودخلت بها من زقاق إلى آخر ومن حارة إلى حارة حتى ضيعت كل مدارك البنت وهي تقول إلى متى يغلق عليك أهلك وإلى متى وأنت على الكتب الآن أعرفي الناس وستذكريني وتقولي رعى الله تلك العجوز، وافهمي مني كوني مؤدبة ومطيعة ولا يرتفع لك صوت ولا تنزعجي من الذي ستدخلي عنده وكم مثلك كن منزعجات وهكذا الدنيا. وصك هذا الكلام سمع الفتاة، ما هذا الكلام؟ أظن العجوز تخرف!! أين أنا وأين بيتنا؟ وقالت للعجوز: ما اسم هذه الحارة؟ قالت العجوز: هذه حارة أهل الهوى، فقالت الفتاة: يا ويلاه ما هذا الكلام يا عجوز؟ قالت لها: لا تخافي كوني مؤدبة فكم مثلك قد قرعت هذا الباب، وقرعت باب إلى الشارع وبأسرع من لمح البصر فتح الباب من كان على الموعد وبانتظار، ودفعتها إلى الداخل وأغلقت الباب من الخارج وجعلت عليه قفلا وأقفل من الداخل وتلقاها شاب ممتلئ الجسم عليه آثار النعيم ويظهر أنه من الناس الأغنياء المترفين ورحب بها وعرفت الفتاة الحيلة فأخذها ما بعد وما قرب فتعلقت بالباب وصاحت وانتحبت وكادت تسقط مغمى عليها ولكنه زفها بين يديه إلى الداخل ومنه إلى الأعلى وهو يقبلها ويطمئنها ويحاول أن تسكت من البكاء ويقول لها: المال يأتي بالجن المربطة إطمئني فأنا العريس وأنت العروس ولا يوجد بنت في هذه الحارة إلا جائت بها هذه العجوز إلى هنا حتى أكثر من عشرين بنت وكل واحدة إذا أدخلتها العجوز لاتتكلم بكلمة واحدة وتصبر ثم تخرج مع العجوز على الموعد ولا أحد يدري لا أبوها ولا أمها ولا أخوتها، وبعضهن الآن يأتين إلي اختيارا بدون العجوز عندما عرفن أني كريم وأني طيب معهن وأحب الجمال، وأقول لك ما قد رأيت مثلك بالحسن والجمال وهذه العجوز قد أعطيتها من الدراهم والدنانير بغير حساب وقد صارت من الأغنياء، وإنها تواعدني بك منذ أكثر من سنة وقد أعطيت أكثر من خمسمائة دينار من أجلك خاصة كيس مليء بالذهب لما وصفت لي هذا الجمال والحسن البديع الذي جعله الله فيك واطمئني فعلى الموعد تعودي إلى بيتكم بعد منتصف الليل بعد أن نكون جميعا قد ارتحنا، وربما تتألف القلوب فتأتيني بك العجوز في كل جمعه، لقد انتظرت وانتظرت وحاولت أكثر من عشرين مرة والعجوز توعدني بك وتختلف، إنني في شوق كبير لما وصفوا لي الناس ووصفت لي العجوز. أسكتي يا هذه فسأعطيكي كل ما أملك مقابل بسمة واحدة، ولم تكف الفتاة عن البكاء والنحيب وهو يقبل ويداعب ويغمز. وقدم لها أجمل أنواع الحلوى والمسكرات منه طبق قد كتب عليه اسمها، ولم ترق لها دمعة ولم يهد لها صوت وهي تقول إتق الله راقب الله خاف الله حرام عليك، وتقول لنفسها أنفعل المنكر أنغضب الله أنعصي الله أنفعل الحرام، أأعصي أبي وأمي ، أتفعل بي العجوز هذا الفعل الشنيع الذي لا يفعله أحد، ماذا سنلقى من العذاب ماذا سنلقى من الحساب ماذا سألقى والدي ووالدتي وأخواني به يا ويلاه يا ويلاه، ياالله ياالله ياالله صدقنا تسبيح العجوز ولم نعرف أنها قواده. وهو يقبل ويداعب ويغمزها في كل مكان من جسمها ولم تمكنه من شيء مما يريد وهو يقول اطمئني لست وحدك لقد جاءت العجوز بأكثر من عشرين بنت أبكار ومثلما فعلت لك العجوز ترجعهن بيوت أهليهن على الوعد لا يطلع أحد. واستمر العراك بينها وبينه أكثر من اربع ساعات حتى تمزقت ثيابها وتناثرت حليتها وسال دمها من أوجانها وشفتيها وصبغت ثيابها بدمائها من وجهها ورقبتها وأذنيها، وهو كذلك فقد ضربته بنعالها وأحذيته وما تمكنت من قبضه من الأرض حتى شجته في وجهه ووفقها الله تعالى بضربات متتابعة بكعب قنطرتها على رأسه ووجهه سقط أرضا مغمى عليه فقامت وقد نشف ريقها ودموعها تسيل كالمطر ودخلت المرحاض وإذا له نافذة فرجعت وأخذت ما أمكنها من حليتها المتناثرة وستارتها ورأت حبلا قصيرا في الحجرة وأخذته وأخذت ثيابه المعلقة في غرفته وأدخلتها المرحاض وغلقت عليها وأصلحت من نفسها بستارتها ما يستر التمزق، وأخذت ثيابه وأوصلت بها الحبل وربطتها بالنافذة وأخرجت الحبال إلى الخارج وقدمت رجليها وأمسكت بالحبل وكررت قراءة قل هو الله أحد، ورب نجني من القوم الظالمين، ونزلت من ثلاثة أدوار ولما وصلت الدور الأول انقطعت الثياب فوقعت على الأرض لم يصبها أذى وكأنها مولودة من ساعتها أو كأنها في حلم لنجاتها وسلامتها فقد نجت من كلاب الإنس، وبقي الكلاب في الشارع التي أحاطت بها من كل جانب. قدرت الوقت أنه نصف الليل ودعت الله تعالى وأخلصت الدعاء واطمأنت أنها مع الكلاب الحقيقيين ولم تكن مع كلاب بني آدم الذين لم يبق لهم ضمير إلا إشباع نزواتهم وشهواتهم. مشت لا تدري أين تذهب وثيابها وذيولها مقددة ولكن ستارتها غطت كل شيء واحتوشتها الكلاب من كل جانب وكلما ذهبت من شارع دخلت في آخر وهكذا حتى دخلت في زقاق هربا من الكلاب ولكن تلقاه مسدودا وترجع إلى الوراء ثم تدخل في شارع إلى أن سبح المسبح في لجامع الكبير مؤذن بوقت السحر للمتسحرين والصائمين وأنست بأصوات المذكرين بالأسحار ولكن بقي عليها أنها لا تعرف الطريق ولا الاتجاه فلا تعرف الشرق من الغرب ولا الشمال والجنوب ولكنها عرفت أنها بأعلى صنعاء قريب من قصر غمدان وفي اثناء ذلك وقد ظايقتها الكلاب وهي تبكي وتدعو الله تعالى اضطرتها الكلاب إلى دخول باب مفتوح،إنه باب مسجد،، يا للأمان، وإذا سراج ضعيف في آخر المدخل على اليمين قصدته وعنده بعض الاطمئنان أنها في صرح مسجد وتبعت النور وإذا هو منزلة صغيرة من منازل المهاجرين لطلب العلم، وإذا أمامها فتى كأنه قطعة من القمر مع السمت الحسن ولوائح النجابة والصلاح والتقوى ظاهرة على وجهه وعنده رزم من الكتب عن يمين وشمال وأمام وهو عاكف عليها لا يرفع نظره، فقالت: السلام عليكم، فرفع رأسه فلما رأى امرأة خجل وانحنى، فقالت: نجني نجاك الله من عذابه، أجاب: بماذا؟ فقالت: أقعد هنا حتى يطلع الفجر ويكثر الذاهبون إلى المساجد ويقل الأذى، تقول هذا وهي تطالع أنفاسها وتبكي. قال: اقعدي ولا حول ولا قوة إلا بالله وما شأنك أيتها المرأة؟ قالت: مكروبة وضائعة ولم أعرف جهة بيتنا في هذا الظلام الدامس، ثم قعدت وجمعت عليها ثيابها ولمح منها ما يضيع العقول من بياض رجليها واليدين والقوام والصوت الذي يقد القلوب، فدخل التفكير في أعماقه وهو على كتبه كلما قراء من كتاب انتقل إلى غيره وهكذا، وكانت الفتاة حافية القدمين وربما سارقته النظر وكانت مغرية القوام وكأن ثيابها تنطق بما ورائها فثارت الغريزة عند الشاب وتدفقت عيناه بالدموع على الكتاب وأخذ طرف ثوبه ينشف الدمع عن الكتاب وهي تلاحظه وتراه يرفع يديه إلى السماء قائلا ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)) وكررها وكررها فتخبوا تلك الجذوة ويعود إلى الكتاب وتسمعه وهو يردد ( أعوذ بك من همزات الشياطين . أعوذ بك رب أن يحضرون ) اعوذ بالله من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ويعود إلى الكتاب ثم أخذ مصحفا وجعله على صدره وهو يكرر الدعاء والتعوذ، فعل ذلك عدة مرات وفي الاخيرة وضع إصبع يده اليسرى على السراج حتى يقزقز اللحم وانبعثت له رائحة ثم يقرأ ويرجع إلى تحريق أصابعه الخمس إصبعا إصبعا وكانت القتاة تنظر إلى ذلك وتعرف ما وراءه وهي الذكية الالمعية المتعلمة المؤمنة، ورددت في نفسها اللهم احفظه واحفظني، قالت: وكنت أردد قراءت السبع المنقذات والفاتحة، وبينما هما كذلك إذ ارتفع صوت الحق بأذان الفجر فلم تشعر الفتاة إلا بدموعه تسيل على الكتاب وأكب عليه وهو يردد الآية الكريمة، فقال: الحمد لله الآن أذن المؤذن مع السلامة يا فتاة فقد أثرت عواطفي وبلبلت بالي واشتغلت عن مراجعة كتبي لاقوة إلا بالله فقامت وقلبه وروحه معها، ولكن كيف وهو المعتصم بحبل الله المتين فقالت: أنا أريد غرب السائلة فأين أذهب بعد الباب، اليمين أم اليسار؟ قال: اذهبي إلى اليمين بعد أن تخرجي من الباب الذي دخلت منه وفي اسفل الشارع تلقين طريقين اسلكي اليمين والحمد لله قد خلت الشوارع من الكلاب لأن الناس خرجوا من بيوتهم إلى المساجد. وردد في نفسه (( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله )) قالت: وخرجت وكأني قد ملكت الدنيا بالسلامة من تلك الليلة الرهيبة وردد لساني الآية الكريمة (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا – ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا – ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا )) اللهم النجاة اللهم السلامة اللهم التوفيق ماذا أقول لأبي الغيور وأمي الفاضلة وإخوتي،، يارب وفقني الوصول إلى البيت كذلك ودموعها تسيل لا ترفع قدما ولا تضعها إلا بالفكر والذكر وهي تقرأ قل هو الله أحد والحمد والشكر لله الذي نجاها حتى تجاوزة السائلة وعرفت الحارة التي يسكنونها وقد ضحضح الصباح فما كادت تشرق الشمس حتى قرعت باب البيت وفتحوا فما دخلت الباب وأمنت حتى ارتمت مغشيا عليها ليس بها حراك، وهب الأب والأم والاخوة، ماذا بك ماذا بك، مالك مالك، حركوها وإذا هي مغمى عليها ليس فيها إلا النفس، وجاؤا بالماء البارد ورشوه عليها وأفاقت وقادوها إلى غرفة أبيها وهي خرساء لا تتكلم بكلمة حتى جلست ورأوا ثيابها المقددة والدماء وآثارها على وجهها، فقالوا ماذا بك ماذا بك فاسترحعت أنفاسها وعلا نحيبها ونشيجها وهي تقول: تلك العجوز الكافرة، تلك العجوز القوادة تلك العجوز الكذا كذا قادتني إلى بعيد ومن شارع إلى شارع ثم إلى بيت خالي ليس فيه إلا رجل شاب من أهل الدعارة والخباثة والأعمال السيئة قد تلطخت يداه بالمعاصي والأعمال الفاجرة واسترجعت أنفاسها وقصت عليهم القصة من أولها إلى آخرها فبهتوا ودهشوا وخرسوا ولم يستطع أيهم أن ينطق بكلمة واحدة وبعد قليل قال الأب: للأم وهل تعرفون بيت هذه العجوز وممن هي؟ قالوا: لا لانعرفها إلا بترددها إلينا كل حين ونعطيها شيء وقد رأيتموها لا أحد يشك في صلاحها. الله أكبر إنا لله وإنا إليه راجعون من هذه الفعلة الشنيعة القبيحة وقد رأيتم كان لنا ليلة لم نعرفها في حياتنا من القلق والخوف والتوقع خصوصا بعد ان تجاوز الموعد، ثم قال الأب للأم: أخرجي إلى مكان آخر أنت والبنت واكشفي عليها هل لعب بها هذا الفاجر. وجعل يردد :- إذا سبحت حيزوم فابشر بزلة = وإن هللت فابشر بأم الكبائر
ويقول: رضي الله عن أمير المؤمنين وصلوات الله عليه إذ يقول "أحب إلي أن أجد في منزلي مائة لص يسرقونه أهون علي من أجد فيه عجوزا لا أعرفها". فخرجت الأم وكشفت على ابنتها ورجعت إليه تطمئنه أنه لم يحدث شيء إلا أورام وكدمات في كل جسمها وجرح في أنفها، فحمد الله تعالى على السلامة من العار والنار والشنار، وأوجب على نفسه كرامة يقدمها لطلبة العلم والمهاجرين وحملة كتاب الله العزيز في المساجد بصنعاء كلها طعام وكسوة ومساعدة شكرا لله تعالى على نجاة ابنته ولمعرفة ذلك الشاب الذي ذكرته ابنته ووصفت كل ما رأته منه. فأمر أولاده وخدمه أن يذهبوا إلى كل مسجد بصنعاء أعلاها وأسفلها وطولها وعرضها وأن يحضروا كل المهاجرين فيها من طلبة العلم وغيرهم من ضعفة الحال وأمروهم بالحضور إلى المسجد المجاور لبيته لصلاة الحمعة ثم للطعام ببيته، فتباشر المهاجرون بذلك وكان هذا القاضي معروفا بالخير والسعة ومحبته أهل المساجد فحضروا عن بكرة أبيهم، واجتمع خلق كثير من ضعفة الحال والعميان فلما استكملوا خرج إليهم ورحب بهم وصافحهم واحدا واحدا وهو يتأمل ذلك الفتى ولم يحصل على تلك الأوصاف، وقال لهم: هل بقي أحد منكم؟ قالوا: قد حضرنا جميعا، فقال: لابد أنه بقي بعض، فقالوا لم يبق احد، فاستدعاهم إلى الطعام، ولكنه أخذ على نفسه أن يباشر بنفسه غسل أيديهم حتى انتهوا، فقال: إنه بقي منكم جماعة فتذكر أحدهم أنه بقي مهاجر في المسجد الفلاني في اعلا صنعاء، فأمر الخادم أن يذهب ليأتي به فلما أتى به عرفه بالوصف وباشر عليه يغسل يديه فمسك اليمنى وغسلها ثم رفع اليسرى فتناولها القاضي وإذا آثار النار على خمسها، وقال: ماذا بك؟ قال: هذا من النار وأنت تدري بحال المهاجرين في المنزلة أنهم يباشرون كل عمل لتحصيل طعامهم. قال القاضي الآن الحمد لله أدخل للطعام،فطعموا ما لم يرو أحسن منه وباشر خدمته عليهم بالطيب والورد ثم أعطى كل واحد كسوة وقميصا وعمامة ورداء ودينار وخمسين درهما ودعوا له ولأولاده وتبرك بدعواتهم، ففي الأثر إكرام طلبة العلم صلاح للذرية ووادعوه وخرجوا من عنده ولكنه أمسك ذلك الفتى ولم يأذن له بالخروج، فلما بقي هو وإياه، قال القاضي: ما شأن هذه الحروق التي في يدك؟ فقال الشاب: أنا مهاجر بالمسجد ولا بد أن أباشر إصلاح بعض الأشياء من الطعام في المنزلة وكذا حال المهاجرين، قال القاضي: أخبرني بالحقيقة فالأمر غير هذا، فقال الشاب: ليس غير ما سمعت وقد خامره التعجب من السؤال والإلحاح، وماذا تريد من هذا السؤال؟ ألست القاضي فلان؟ وقد هاجرت في المنزلة وعرفت كل شيء؟ وأكثر العلماء قد هاجروا وعرفوا؟ فقال القاضي: أنا أعرف أكثر وأكثر وأسألك بالله إلا ما أخبرتني، فسكت الشاب ولكن القاضي دخل وأخرج الفتاة محجبة وقال هل تعرفي هذا الشاب؟ قالت: نعم هو هو وخرجت فعرف الشاب أن الأمر قد وضح وقص القصة إلى آخرها، وقال القاضي: ما وراء تلك التعويذات التي كانت الفتاة تسمعها؟ فقال: كنت اتذكر لقاء الله تعالى وما أعده لمن عصاه وماذا أقول لجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وماذا أقول لجدي أمير المؤمنين علي؟ وماذا أقول لجدتي فاطمة الزهراء؟ وماذا أقول لجدي الحسين عليهم السلام جميعا، فكنت أتضرع إلى الله جلت قدرته أن يجنبني من تلك البلوى والحمد لله تعالى نجاني ونجا ابنتك من الكلاب التي طاردتها في الشوارع، فقال القاضي: الحمد لله الذي عرفني عليك بعد محنة بالغة وبلوى شديدة، وأنت الآن كأحد أولادي وهذه الفتاة زوجتك إنشاء الله في الدنيا والآخرة وقد كتبها الله تعالى لك بعد أن خطبها الكثير من الناس فامدد يدك لأملك بها لك، فقال الشاب: إنه ليس لدي بيت ولا مال والزواج يحتاج إلى الشيء الكثير، فقال القاضي: لا تحتاج بيت ولا مال هذا بيتي بيتك ومالي كمالك وقد زوجتك بها، بارك الله تعالى لك فيها وجمع بينكما في خير وعافية وأخرج منكما كثيرا طيبا، واستدعى شهودا وأدخلها عليه في الحال زوجة صالحة مباركة فائقة الجمال والحال راضية مرضية ودودا ولودا معينة على طاعة الله وعبادته وعلى الدراسة، معينة على نوائب الدهر. فاول ما استجلاها تبسمت له وقالت: ((ومن يتق الله يجعل له مخرجا)) أنا صاحبتك البارحة، الحمد لله الذي جمعنا بقدرته لقد استجاب الله تعالى ضراعتك بسرعة واستجاب لي فأمن روعتي وحفظني وردني إلى أهلي سالمة غانمة، فقال: الحمد لله رب العالمين لا نحصي ثناء عليه فقومي فلنصل لله تعالى فنشكره أن جمعنا ووفقنا وهدانا وحفظنا. فصليا ما شاء الله تعالى وصلح حالهما ولازم الجلوس عندها وفي منزلته بالجامع للدراسة حتى بلغ درجة الإجتهاد وكان له من الأخبار ما ملأ البلاد والوهاد ومن المؤلفات ما استفاد منها الكثير من العباد ومن الذرية الصالحة ما تقر به العيون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فمن طلب الغنا من الله أغناه ومن طلب الكفاية منه كفاه. وكما قيل ذاك السوارلمثل ذاك المعصم. وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((طوبى للمخلصين إولئك مصابيح الدجا)) ولله القائل :- يا من يجيب دعا المضطر في الظلم يا كاشف الضر والبلوى مع السقم هب لي بجودك ما أخطأت من جرم يا من إليه أشار الخلق بالكرم إن كان عفوك لم يسبق لمجترم فمن يجود على العاصين بالنعم |
رد: حكاية العجوز والفتاة
ما جهدي ما كذا يا عنثري...!!
|
رد: حكاية العجوز والفتاة
قصة رائعة جدا ( من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه)
|
رد: حكاية العجوز والفتاة
بارك الله فيك
|
رد: حكاية العجوز والفتاة
إذا كانت القصة واقعية فإن في صياغتها ثغرات فنية خصوصا في فقرة لجوئها إلى الشاب
وأشكرك يا أبو الحسنين على الاختيار والمجهود الرائع |
رد: حكاية العجوز والفتاة
اما الروايه فهي صحيحه وهي منقوله من كتاب طرائف المشتاقين
تاليف السيد العلامه /قاسم أحمد المهدي الحوثي ولم افهم معنى ثغرات فنيه في لجوإها الى الشاب |
رد: حكاية العجوز والفتاة
شكرا لك يا ابا الحسنين كل الشكر
وانت يالهاشمي حاول حاول لأنها قصة جميلة جدا وقيل أنّ الشاب هو الإمام يحيى ابن حمزة عليه السلام |
رد: حكاية العجوز والفتاة
ما دام أنها وقعت بهذا الشكل فلا كلام
فقط كنت أقصد لو كان للصياغة والإضافة من الأدباء مجال فخروج الشاب من المنزلة بعد لجوئها أفضل من إصراره على مطالعة الكتب في ذلك الموقف الذي قد يكون الاستيعاب فيه بعيداً خصوصاً مع الإشارة إلى أنه ذو تقوى ودين |
رد: حكاية العجوز والفتاة
بارك الله فيك
قصة تبين أن الله مع المتقين يوفقهم لما يحب ويرضى ويبعدهم عما يسخط منه اللهم صلي على محمد وآله |
رد: حكاية العجوز والفتاة
بارك الله فيك
قصة جميلة جدا تستاهل عليها التقييم الخماسي. |
| الساعة الآن 08:21 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Trans
ضاوي الغنامي تواصل::dawi ® طيور الامل © 1,0
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
e3laN by kashkol