هذا كتيب صغير الحجم كثير الفائده
هناك جائزة لمن يحفض هذا السفر الجليل عن ظهر قلب وستكون عند طالب الخير كتاب مصباح العلوم تأليف العلامة الجليل أحمد بن الحسن بن محمد الرصاص رحمه الله المتوفى سنة 621 هـ عقيدة الزيدية نبذة عن كتاب مصباح العلوم مقدمة المحقق مصباح العلوم كاسمه مصباحٌ صغير الحجم؛ لكنه كثير الضوء، يناسب الصغير في البداية، كما يناسب الكبير في النهاية، والقبول الذي لاقاه في أوساط الطلبة والمدرسين يَنُمُّ عن نِِيَّةٍ صالحة. ويسمى بالثلاثين مسألةً، وهي مشهورة بين أبناء المذهب الزيدي لشمولها أهم عقائد الزيدية في صفحات قلائل. وقد اعتمد المؤلف رضي الله عنه الدليل العقلي اقتداء بالكتاب العزيز الذي هتف بالعقول، وأيقظ الألباب، وعاب التقليد، واستنكر الجمود، ودعا إلى اعتقاد مذهبٍ يؤمنُ بصحته العقل، ويشهد له الذوق، والمنطق قبل الدليل النقلي. وقد تلقى العلماء هذه المسائل بالقبول، وشرحها عدد من العلماء: منهم الإِمام إِبراهيم بن محمد بن أحمد عز الدين في كتابة ((الإِصباح على المصباح)) وشرح لابن حابس، وللسحولي حاشية عليها. وقد طبع المصباح بتحقيق المرحوم الدكتور: محمد عبد السلام كفافي- أستاذ الآداب الإِسلامية بجامعة القاهرة وجامعة بيروت. وقد رأينا إِعادة طبعه مضبوطاً مريحاً للطلبة، وقد اعتمدنا على نسخة بحاشية السحولي، وأنا أحفظ الثلاثين مسألة عن ظهر قلب وأرويها قراءة وإِجازة فيها وفي غيرها من المعقول والمنقول عن العالم الرباني حامل راية علماء الآل فيلسوف عقائدهم الوالد: محمد بن محمد بن إِسماعيل مطهر المنصور حفظه الله، وإِجازة غيره من العلماء العاملين الكبار مثل الوالد: مجد الدين ابن محمد بن منصور المؤيدي مفتي اليمن، والوالد أحمد بن محمد زباره مفتي الجمهورية رحمه الله، ونائب مفتي الجمهورية سابقا الوالد حمود بن عباس المؤيد، والقاضيين الجليلين عبدالحميد أحمد معياد رحمه الله، ومحمد بن أحمد الجرافي، وغيرهم من العلماء الأعلام حفظهم الله آملاً بذلك أن أكون قد وُفِّقْتُ في خدمة طلبة وطالبات العلم الذين هم رأس مالي. راجياً أن أجاور جدي المصطفى وأهل الكساء بسبب رعاية طالب العلم الذي نهدف من إِعداده إِلى خدمة المجتمع وإِضاءة المشاعل في دروبه، وتقديم العقائد الصحيحة للمسلمين أينما كانوا، مستأنسين بما يعتقده آل بيت النبي الذين أمرنا الله باتباعهم كما جاء في صحيح مسلم ج4ص 1873 وغيره: (( إِني تارك فيكم ثَقَلَينِ، أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به..ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاثاً )). وفقنا الله لما يحب ويرضى.... المؤلف في سطور رحم الله العالم الجليل أحمد بن الحسن بن محمد الرّصاص، فقد كان قطباً من أقطاب علماء الزيدية، تتلمذ على يد والده المتوفي: 584هـ - المقبور بجوار شيخه شيخ الأئمة القاضي جعفر بن عبدالسلام في قرية سَنَاع جنوب غرب صنعآء، وهو [ أي والد المترجم له] شيخ الإِمام عبدالله بن حمزة؛ فنعرف بهذا أن الإمام عبد الله بن حمزة وصاحب الترجمة زميلا درس على أغلب الظن، أضف إلى هذا أنه أحد رجالات الإِمام عبد الله بن حمزة البارزين. قال صاحب مطلع البدور: كان من أهل العلم الغزير، والمجد الخطير، وله في الأصول مؤلفات كثيرة.ت 22 محرم 621 هـ. وله مؤلفات جامعة نافعة منها: مسائل الهادوية في التنبيه على أبيات المزية على مذهب الزيدية، وحقائق الأغراض وأحوالها وشرحها (خ)، يوجدان بمكتبة الجامع الكبير الغربية بصنعاء، والدرر المنظومات في سلك الأحكام والصفات، والخلاصة النافعة بالأدلة القاطعة في علم الكلام (خ) في الامبروزيانا ونسخ أخرى متعددة. والشهاب الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب (خ) . وله أيضاً : النجم الثاقب في إِمامة علي بن أبي طالب، وربما هو نفس الكتاب السابق، والواسطة في مسائل الاعتقاد الهادية إِلى سبيل الرشاد، ومنها مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم وهو هذا الذي بين يديك، ويعرف أيضاً بالثلاثين مسألة: عشر منها في التوحيد. وعشر في العدل. وعشر في الوعد والوعيد. وهي خلاصة عقيدة أهل العدل والتوحيد وبالأخص الزيدية. وفقنا الله وتقبل منا أبو هاشم د. المُرْتَضَى بنُ زَيْدٍ الْمَحَطْوَرِيْ صنعاء-2/ذو الحجة 1418هـ-30/3/1998م عقيدة الزيدية الْمُقَدِّمَةُ الْحَمْدُ للهِ ذِي الْمَنِّ والإفْضَالِ، الْحَكِيْمِ فِي الأفْعَالِ، الصَّادِقِ فِي الأَقْوَالِ، الْمُدَمِّرِ لأَعْدَآئِه الْجُهَّالِ، الَّذِيْ عَصَمَنَا مِنَ الاغتِرَارِ بأَهْلِ الضَّلاَلِ، والانْخِدَاعِ بزَخَارِفِ كُلِّ مُحْتَالٍ، وَوَفَّقَنَا لإِيثَارِ الأَدِلَّةِ والبراهِينَ عَنْ تقليدِ الرِّجالِ، وَأَنْقَذَنَا بِمَا وَفّقنَا لَهُ مِنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ عَنْ أدْوآءِ الجهلِ والْجُهّالِ، وَصَلَواتُهُ عَلَى نَبِيِّهِ الرَّاقِي مِنَ الشَّرَفِ فَوقَ ذُرْوَةِ الكَمَالِ، مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَعَلَى آلِهِ خَيْرِ آلِ([1]). أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ الْعِلْمَ بِاللهِ رَأْسُ العُلُومِ وَأَوْلاَهَا بِالإِيثَارِ والتَّقْدِيْمِ; لِمَا رُوينَاهُ بالإِسْنَادِِ الْمَوثُوقِ بِهِ عَنْ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أَنَّ رَجُلاً أتاهُ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، عَلِّمْنِي مِنْ غَرآئِبِ العِلْمِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (وَمَاذَا صَنَعْتَ فِي رَأْسِ العِلْمِ حَتَّى تَسْألَنِي عَنْ غرآئبِهِ?)، فَقَالَ الرَّجُلُ: يا رَسُولَ اللهِ ومَا رَأْسُ العِلْمِ? قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (مَعْرِفَةُ اللهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ) قَالَ: ومَا مَعْرِفَةُ اللهِ حَقَّ مَعْرفتِهِ?، قَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (أَنْ تَعْرِفَهُ بلاَ مِثْلٍ وَلاَ شَبِيهٍ، وَأَنْ تَعْرِفَهُ إِلَهًا وَاحِدًا أوَّلاً آخِرًا ظَاهِرًا بَاطِنًا لا كُفْؤَ لَهُ ولاَ مِثْلَ)([2]). وَرُوِيْنَا عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: (التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الجَنَّةِ) ([3]) وَرُوِينَا عَنُْه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: (أفْضَلُ العِلْمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وأفْضَلُ الدُّعَآءِ الاسْتِغْفَارُ) ([4]). فإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أفْضَلُ الْعُلُومِ وَجَبَ عَلَى العَاقِلِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي طَلَبِهِ، لِيَفُوزَ يَومَ القِيَامَةِ بِسَبَبِِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ:- (اطْلُبُوا العِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ، فإِنَّ طَلَبَ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ([5])، وقَوْلُهُ :(مَنْ تَرَكَ العِلْمَ مِنْ أجْلِ أَنًَّ صَاحِبَهُ فَقِيْرٌ أَوْ أصْغَرُ مِنْهُ سِنًّا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)([6]). فإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ أنْ يَعْرِفَ اللهَ تَعَالَى، وَتَوْحِيدَهُ، وَعَدْلَهُ، وصِدْقَ وَعْدِهِ وَوَعِيْدِهِ. وهَذِهَ الْجُمْلةُ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاثَةِ فُصُولٍ - أَوَّلُها التَّوْحِيدُ - والثَّانِي العَدْلُ - والثَّالِثُ الوَعْدُ وَالوَعِيدُ. التَّوحِيْدِ : الْمَسْأَلَةُ اْلأُوْلَى: أَنَّ لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ ومُدَبِّرًا دَبَّرَهُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تَعَالَى قَدِيْمٌ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمُحْدَثَاتِالْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ الْمَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ : أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي القِدَمِ والإِلهِيَةِ الْمَسْأَلَةُ اْلأُوْلَى: أَنَّ لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ ومُدَبِّرًا دَبَّرَهُ وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأجْسَام مُحْدَثَةٌ; لأَنَّهَا لَمْ تَخْلُ مِنْ هَذِهِ الأَعْرَاضِ: الَّتِيْ هِيَ الحَرَكَةُ والسُّكُونُ، والاجْتِمَاعُ والافْتِرَاقُ، وَهَذِهِ الأَعْرَاضُ مُحْدَثَةٌ; لأَنَّهَا تَعْدَمُ وَتَزُولُ، وَالْجِسْمُ بَاقٍ. فَلَوْ كانَتْ قَدِيْمَةً لَمَا جَازَ عَلَيْهَا العَدَمُ; لأَنَّ القَدِيْمَ وَاجِبُ الْوُجُودِ فلاَ يَجُوزُ علَيْهِ العَدَمُ، وَإِذَا ثَبَتَ حُدُوثُ الأَعْرَاضِ بِمَا قَدَّمْنَا - وَجَبَ أنْ تَكُونَ الأجْسَام مُحْدَثَةٌ أَيْضًا; لأَنَّهٌ لاَ يَجُوزُ أن يُوجَدَ الجِسْمُ والعَرَضُ مَعًا -وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا قَدِيْمًا والآخَرُ مُحدَثًا- لأَنَّ الْقَدِيْمَ يَجِبُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْمُحْدَثِ تَقَدُّمًا لاَ أَوَّلَ لَهُ. وإِذَا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأجْسَامَ مُحْدَثةٌ فلاَ بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى; لأَنَّ العِبَادَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدِثَهَا اللهُ تَعَالَى، أَلاَ تَرَى أَنَّ أَفْعَالَنَا لَمَّا كَانَتْ مُحْدَثَةً وَجَبَ أن يُحْتَاجَ إِلَيْنَا; لأَجْلِ حُدُوثِهَا، فَثَبَتَ بهَذِهِ الجُمْلَةِ أَنَّ لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ وَمُدَبِّرًا دبَّرَهُ([1]). الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ وحَقِيقَةُ القَادِرِ: هُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ. والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ أنَّ الفِعْلَ الَّذِيْ هُوَ العَالَم قَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَعَالَى([2])، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى إِيْجَادِهِ لَمَا أوْجَدَهُ ; لأنَّ الضَّعيفَ العَاجِزَ لاَ يُمْكِنُهُ إَيجادُ الْفِِعْلِِ، وقَدْ وُجِدَ الفِعْلُ مِنْ جِهَةِ اللهِ تَعَالَى، فَيَجِبُ وَصْفُهُ بأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ([3]). الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ وَحَقِيقَةُ العَالِمِ: هُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الفِعْلُ المُحْكَمُ. والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُحْكَمَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَعَالَى، وذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي مَلَكُوتِ السَّمَواتِ و الأرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا مِنَ الحيواناتِ، فَإِنَّ فِيْهَا مِنَ التَّرْتِيْبِ وَالنِّظَامِ مَا يَزِيْدُ عَلَى كُلِّ صِنَاعَةٍ مُحْكَمَةٍ فِي الشَّاهِدِ: مِنْ بِنَآءٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِهِمَا، فَإِذَا كَانَتْ الكِتَابَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهَا عَالِمٌ، فَلاَ شَكَّ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ أبْلَغُ مِنْ تَرْتِيْبِ الْكِتَابَةِ الْمُحْكَمَةِ؛ فيَجِبُ أنْ يَدُلَّ تَرْتِيبُهَا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ([4]). الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ وَحَقِيْقَةُ الْحَيِّ: هُوَ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَقْدِرَ ويَعْلَمَ. والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَالِمٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ؛ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ وَجَبَ أنْ يَكُونَ حَيًّا، أَلاَ تَرَى أنَّ الْمَيِّتَ والْجَمَادَ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَا قَادِرَيْنِ ولا َالِمَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَ لِكَوْنِهِمَا غَيْرَ حَيَّيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ، فَيَجِبُ وَصْفُهُ بأَنَّهُ حَيٌّ([5]). الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ وحَقِيْقَةُ السَّمِيْعُ البَصِيْرِ: هُوَ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُدْرِكَ الْمَسْمُوعَ والْمُبْصَرَ. والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَالَّذِيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ آفَةَ بِهِ أَنَّ الآفاتِ هِيَ فَسَادُ الآلاتِ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِلاَ عَلَى مَنْ كَانَ جِسْمًا، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلاَ عَرَضٍ، عَلَى مَا يَأتِي بَيَانُهُ; فَثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ لاَ آفَةَ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ لا آفَةَ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَمِيْعًا بَصِيْرًا، أَلاَ تَرَى أَنَّ الوَاحِدَ مِنَّا إِذَا كَانَ حَيًّا لاَ آفَةَ بِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ إِدْرَاكِ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ فإِنَّا نَصِفُهُ بأنَّهُ سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ. ([6]) الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تَعَالَى قَدِيْمٌ وَحَقِيْقَةُ القَدِيْمِ: هُوَ المَوجُودُ الَّذِيْ لاَ أَوَّلَ لِوُجُودِهِ. والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ; لأَنَّهُ أَوْجَدَ العَالَمَ، فَلَوْ كَانَ مَعْدُومًا لَمَا أوْجَدَهُ; لأَنَّ الْمَعْدُومَ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ إِيْجَادُ شَيْءٍ أَصْلاً، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ. فَإِذَا ثَبَتَ أنَّهُ تَعَالَى مَوجُودٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدِيْمًا; لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْدَثًا لاَحْتَاجَ إِلَى مُحْدِثٍ يُحْدِثُهُ، كَمَا أَنَّ الأَجْسَامَ لَمَّا كَانَتْ مُحْدَثَةً احْتَاجَتْ إِلَى مُحْدِثٍ، فَلَوْ كَانَ اللهُ تَعَالَى يَحْتَاجُ إِلَى مُحْدِثٍ لَكَانَ الكَلامُ فِي مُحْدِثِهِ كَالْكَلامِ فِيْهِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مُحْدِثٍ آخَرَ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ، وذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِنِ انْتَهَى الْحَالُ إِلَى مُحْدِثٍ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى مُحْدِثٍ فَهُوَ الَّذِيْ نُرِيْدُ إِثْبَاتَهُ مِنَ الْقَدِيْمِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ([7]). وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَالِمٌ حَيٌّ مَوجُودٌ، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفاتِ لِذَاتِهِ، فلاَ يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِهَا لَهُ إِلَى فَاعِلٍ ولاَ إِلَى مَعَانٍ تُوجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَات. والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ; لاَفْتَقَرَ فِي ثُبُوتِهَا لَهُ إِلَى فَاعِلٍ يَجْعَلُهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الصِّفَات، أَوْ يُحْدِثُ لَهُ مَعَانِي تُوْجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَمَا أنَّ الوَاحِدَ مِنَّا لَمَّا لَمْ يَسْتَحِقْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِذَاتِهِ افْتَقَرَ إِلَى فَاعِلٍ أَوْجَدَ ذَاتَهُ وَأَوْجَدَ لَهُ مَعَانِيَ أَوْجَبَتْ لَهُ سَآئِرَ الصِّفَاتِ: وهِيَ القُدْرَةُ والعِلْمُ والحَيَاةُ. وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ فَلا يَحْتَاجُ فِي ثُـبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ إِلَى فَاعِلٍ وَلاَ إِلَى مَعَانٍ مُحْدَثَةٍ تُوْجِبُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا لِمَعَانٍ قَدِيْمَةٍ; لأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَمْثَالاً لِلَّهِ تَعَالَى; لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي التَّقَدُّمِ الَّذِيْ بِهِ فَارَقَ سَآئِرَ الْمُحْدَثَاتِ. وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ مَثِيْلَ لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِذَاتِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونََ ثَابِتَةً لَهُ تَعَالَى فِيْمَا لَمْ يَزَلْ وفِيْمَا لاَ يَزَالُ، ولا يَجُوزُ خُرُوجُهُ عَنْهَا بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ; لأَنَّهُ لاَ مُخَصِّصَ يَقْتَضِي ثُـبُوتَهَا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ([8]). الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمُحْدَثَاتِ وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَشْبَهَهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا مِثْلَهَا، وَإِلاَّ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ قَدِيْمَةً مِثْلَهُ، لأَنَّ الْمِثْلَيْنِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدِيْمًا والآخَرُ مُحْدَثًا. وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيْمٌ، وَأَنَّ الأشْيآءَ سِوَاهُ مُحْدَثةٌ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْبِهًا لَهَا([9]). الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ وَحَقِيْقَةُ الْغَنِيِّ: هُوَ الَّذِيْ لَيْسَ يَحْتَاجُ. وَ الدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ، فلاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا أَوْ مُحْتَاجًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللهُ مُحْتَاجًا، إِذْ لَوْ كَانَ مُحْتَاجًا لَوَجَبَ أَنْ يُوجِدَ الأشْيآءَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ فِي إِيْجَادِهَا نَفْعًا خَالِصًا ولَذَّةً كَاملةً، وَهُوَ قَادرٌ عَلَى إِيجَادِهَا، وغَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الوَاحِدَ مِنَّا إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى شَيْءٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِهِ، وغَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ ولاَ صَارِفَ لَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُوجِدُهُ لاَ مَحَالَةَ، وَفِي عِلْمِنَا بِوُجُودِ الأشْيآءِ المُحْتَاجِ إِلَيْهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا أَوْجَدَهَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وإِنَّمَا أَوْجَدَهَا لِمَصَالِحِ العِبَادِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ([10]). الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يُرَى فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ لَوَجَبَ أَنْ نَرَاهُ الآنَ; لأَنَّ حَوَآسَّنَا سَلِيْمَةٌ، والمَوَانِعَ مُرْتَفِعَةٌ; لأَنَّ المَوَانِعَ الْمَعْقُولَةَ المانِعَةَ مِنَ الرُّؤْيَةِ: هِيَ الْـبُعْدُ وَالقُرْبُ الْمُفْرِطَانِ، وَالرِّقَّةُ وَالَّلطَافةُ، وَالْحِجَابُ الْكَثِيفُ، وَكَونُ الْمَرْئِيِّ خِلاَفَ جِهَةِ الرَّآئِي، وَكَونُ مَحَلِّهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَوْصَافِ([11])، وَعَدَمُ الضِّيَآءِ الْمُنَاسِبِ لِلْعَيْنِ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ الْمَوَانِعُ مِنَ رُؤْيَةِ الأَجْسَامِ وَالأَلْوَانِ، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلاَ لَوْنٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ. وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ؛ فَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ صَحَّ أَنْ يُرَى فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ لَوَجَبَ أَنْ نَرَاهُ الآنَ، وَلاَ شَكَّ أَنَّا لاَ نَرَاهُ الآنَ، فَيَجِبُ أَنْ لاَ يُرَى فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ، وقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيْفُ الْخَبِيْرُ ) [الأنعام:103]، فَنَفَى تَعَالَى بِهَذِهِ الآيَةِ أَنْ تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ، وَذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ جَمِيْعَ الأَوقَاتِ; فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُرَى بِالأَبْصَارِ لاَ فِي الدُّنْيَا ولاَ فِي الآخِرَةِ([12]). الْمَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ : أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي القِدَمِ والإِلهِيَةِ وَحَقِيْقَةُ الوَاحِدِ: هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِصِفَاتِ الإِلهِيَةِ وَالكَمَالِ عَلَى حَدٍّ لاَ يُشَارِكُهُ فِيْهَا مُشَارِكٌ، وَهِيَ: كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى جَمِيْعِ أَجْنَاسِ الْمَقْدُورَاتِ([13])، عَالِمًا بِجَمِيْعِ أَعْيَانِ المَعْلُومَاتِ، حَيًّا قَدِيْمًا. وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ قَدِيْمٌ ثَانٍ يُشَارِكُهُ فِي هَذِه ِالصِّفَاتِ الَّتِيْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا لَوَجَبَ أن يَكُونَ مِثْلاً لَهُ تَعَالَى، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ للهِ تَعَالَى مِثْلٌ; لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلٌ لَهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَدَّرْنَا أنَّ أَحَدَهُمَا أَرَادَ إِيجَادَ جِسْمٍ سَاكِنٍ، وأَرَادَ الآخَرُ إِيجَادَهُ مُتَحَرِّكًا، لَمْ يَخْلُ الْحَالُ إِمَّا أَنْ يُوجَدَ مَا أَرَادَاهُ مَعًا، فَيَكُونَ الْجِسْمُ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا فَي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَإِمَّا أَنْ لاَ يُوجَدَ مَا أَرَادَاهُ، فَيَخْلُو الْجِسْمُ مِنَ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ مَعًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى عَجْزِهِمَا مِنْ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَا أَرَادَاهُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ أَيْضًا. وَإِمَّا أَنْ يُوجَدَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلاَ يُوجَدَ مُرَادُ الآخَرِ فَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى عَجْزِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ وَذَلِكَ مُحَالٌ أَيْضًا. وَقَدْ أَدَّى إِلَى هَذِهِ الْمُحَالاَتِ الْقَولُ بِالْقَدِيْمِ الثَّانِي؛ فَيَجِبُ الْقَضَآءُ بِفَسَادِهِ([14])، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدْ ) [الإخلاص]، وقولُهُ: ( وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) [المائدة :73]، فَأَخْبَرَنَا تَعَالَى أَنَّهُ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، وَخَبَرُهُ تَعَالَى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا([15])، فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ مَعْرِفَتَهُ مِنْ مَسَآئِلِ التَّوحِيْدِ. العَـدْلُ : الْمَسْأَلَةُ الأُوْلَى: أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَدْلٌ حَكِيْمٌ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ أَفْعَالَ العِبَادِ حَسَنَهَا وَقَبِيْحَهَا مِنْهُمْ لاَ مِنَ اللهِ تَعَالَى الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُثِيْبُ أَحَدًا إِلاَّ بِعَمَلِهِ، وَلاَ يُعَذِّبُهُ إِلاَّ بِذَنْبِِهِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَقْضِيْ بِالْمَعَاصِيْ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنًَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُكَلِّفُ أَحَدًا مِنْ عِبَادِهِ مَا لاَ يُطِيْقُهُ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ جَمِيْعَ الأَمْرَاضِ وَالأَسْقَامِ وَ النَّقَآئِصِ مِنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى، وأَنَّهَا حِكْمَةٌ وَصَوَابٌ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الله لاَ يُرِيْدُ شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي العِبَادِ، ولاَ يُحِبُّهَا ولاَ يَرْضَاهَا ([11]) الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ القُرْآنَ الَّذِيْ بَيْنَنَا كَلاَمُ اللهِ تَعَالَى وَوَحْيُهُ وتَنْزِيْلُهُ الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ هَذَا القُرْآنَ مُحْدَثٌ غَيْرُ قَدِيْمٍ الْمَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ نَبِيٌّ صَادِقٌ الْمَسْأَلَةُ الأُوْلَى: أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَدْلٌ حَكِيْمٌ وَحَقِيْقَةُ الْعَدْلُ: الَّذِيْ لاَ يَفْعَلُ الْقَبِيْحَ كَالظُّلْمِ وَالْعَبَثِ وَالْكَذِبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلا يُخِلُّ بِالْوَاجِبِ([1])، وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا حَسَنَةٌ. وَ الدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ اللهَ عَدْلٌ حَكِيْمٌ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِقُبْحِ الْقَبَآئِحِ، وَغَنِيٌّ عَنْ فِعْلِهَا، وَعَالِمٌ بِاسْتِغْنَآئِهِ عَنْهَا وَعَنِ الإِخْلاَلِ بِالْوَاجِبِ؛ وَكُلُّ مَنْ عَلِمَ ُقْبَح الْقَبِيْحِ، وَاسْتَغْنَى عَنْ فِعْلِهِ وَعَلِمَ بِاسْتِغْنَآئِهِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَفْعَلُهُ لاَ مَحَالَةَ، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي الشَّاهِدِ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْلَمُ الْعُلَمَآءِ بِقُبْحِ الْقَبَآئِحِ، وَأَغْنَى الأَغْنِيَآءِ عَنْ فِعْلِهَا - وَجَبَ أَنْ لاَ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْهَا، فَثَبَتَ أَنَّ اللهََ تَعَالَى عَدْلٌ حَكِيْمٌ([2]). الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ أَفْعَالَ العِبَادِ حَسَنَهَا وَقَبِيْحَهَا مِنْهُمْ لاَ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَحْسُنْ أَمْرُهُمْ بِالطَّاعَاتِ مِنْهَا، وَلاَ نَهْيُهُمْ عَنِ الْمَعَاصِيْ، كَمَا أَنَّ أَلْوَانَهُمْ وَصُوَرَهُْم لَمَّا كَانَتْ خَلْقًا لِلَّهِ فِيْهِمْ لَمْ يَحْسُنْ أَمْرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلاَ نَهْيُهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا، فَلَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَمَرَهُمْ بِالطَّاعَاتِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْمَعَاصِيْ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُمْ مِنْهُمْ لاَ مِنَ اللهِ تَعَالَى. وَقَدْ أَضَافَ اللهُ تَعَالَى أَفْعَالَ العِبَادِ إِلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيْمِ، فَقَالَ تَعَالَى: ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، [الواقعة:24]، وَقَالَ: ( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ )، [يونس:52]، وقَالَ تَعَالَى: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) [العنكبوت:17]، وقَالَ تَعَالَى: ( لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ )، [الصف:2]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْهُمْ لاَ مِنَ اللهِ تَعَالَى([3]). الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُثِيْبُ أَحَدًا إِلاَّ بِعَمَلِهِ، وَلاَ يُعَذِّبُهُ إِلاَّ بِذَنْبِِهِ وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُجَازَاةَ بِالثَّوَابِ لِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهُ يَكُونُ قَبِيْحًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيْمًا لِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيْمَ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ تَعْظِيْمَ مَنْ لاَ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيْمَ قَبِيْحٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، وَكَذَلِكَ الْمُجَازَاةِ بِالْعِقَابِ لِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهُ يَكُونُ قَبِيْحًا مِنْ حيثُ إِنَّهُ يَكُونُ ظُلْمًا؛ وَلاَ شَكَّ أَنَّ الْظُلْمَ قَبِيْحٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَفْعَلُ القَبِيْحَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ؛ فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُثِيْبُ أَحَدًا إِلاَّ بِعَمَلِهِ، وَلاَ يُعَاقِبُهُ إِلاَّ بِذَنْبِِهِ([4])، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )،[الأنعام:164]، ( وَأَن لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى )، [النجم:40]. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَقْضِيْ بِالْمَعَاصِيْ والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَةَ القَضَآءِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَعَانٍ ثلاَثةٍ: أَحَدُهُمَا بِمَعْنى الْخَلْقِ والتَّمامِ، قَالَ تَعَالَى: ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ )،[فصلت:12]، مَعْناهَا: أَتَمَّ خَلْقَهُنَّ([5]). وَثَانِيَهَا الإخْبَارُ والإِعْلاَمُ، قَالَ تَعَالَى: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيْلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرْتَيْنِ )، [الإسراء:4]، مَعْنَاهُ: أَخَبَرَنَا بِحَالِهِمْ([6]). وثَالِثُهَا بِمَعْنَى الأَمْرِ والإِلْزَامِ، قَالَ تَعَالَى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ )، [الإسراء:23]، مَعْنَاهُ: أَمَرَ وأَلْزَمَ([7]). وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ المَعَاصِي بِقَضَآءِ اللهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الخَلْقِ; لأَنَّهُ لَوْ خَلَقَهَا فِيْهِمْ لَمَا حَسُنَ مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، كَمَا أَنَّ أَلْوَانَهُمْ لَمَّا كَانَتْ خَلْقًا للهِ تَعَالَى فِيْهِمْ لَمْ يَحْسُنْ مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا، وَلاَ يَجُوزُ أًنْ تَكُونَ المَعَاصِي بِقَضَآئِهِ بِمَعْنَى الأَمْرِ بِهَا; لأَنَّهَا قَبِيْحَةٌ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يَأْمُرُ بِِالْقَبِيْحِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) [الأعراف:28]، وهَذَا لاَ يُقَالُ إِلاَّ لِلْمُبْطِلِ([8]). وقَد قَالَ تَعَالَى: ( وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ )، [غافر:20]، وَلاَ شَكَّ أنَّ الأَمْرَ بِالْمَعَاصِيْ بَاطِلٌ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَضَآئِهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنًَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُكَلِّفُ أَحَدًا مِنْ عِبَادِهِ مَا لاَ يُطِيْقُهُ والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَكْلِيْفَ مَا لاَ يُطَاقُ قَبِيْحٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَفْعَلُ القَبِيحَ، وقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) [البقرة:286]. والوُسْعُ دُونَ الطَّاقَةِ؛ فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُكَلِّفُ أَحَدًا مِنْ عِبَادِهِ مَا لاَ يُطِيْقُهُ([9]). الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ جَمِيْعَ الأَمْرَاضِ وَالأَسْقَامِ وَ النَّقَآئِصِ مِنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى، وأَنَّهَا حِكْمَةٌ وَصَوَابٌ والدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ; لأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الأَعْرَاضِ الضَّرُورِيَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الأَعْرَاضَ مُحْدَثَةٌ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنًَّ الأَعْرَاضَ مُحْدَثَةٌ فَلاَ بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ وَهُوَ الله تَعَالَى; لأَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ الأَعْرَاضِ الضَّرُورِيَّةِ إِلاَّ الله تَعَالَى، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا فِعْلُ الله تَعَالَى وَجَبَ أَنْ تَكُونَ حِكْمَةً وَصَوابًا؛ لأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى عَدْلٌ حَكِيْمٌ، والْحَكِيْمُ لاَ يَفْعَلُ إِلاَّ الْحِكْمَةَ والصَّوَابَ، ولاَ بُدَّ فِيْهَا مِنَ العِوَضِ وَالاعْتِبَارِ وَ إِلاَّ كَانَتْ قَبِيْحَةً. وَيَدُّلُ عَلَى ثُـبُوتِ العِوَضِ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (يَتَمَنَّى أَهْلُ البَلآءِ فِي الآخِرَةِ لَوْ كَانَ الله زَادَهُمْ بَلآءً لِعِظَمِ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ)، ويَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الاعْتِبَارِ فِي هَذِهِ الأَمْرَاضِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كِلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) [التوبة:126]، والْمُرَادُ بِالفِتْنَةِ المذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: الامْتحَانُ بِالمَرَضِ وغَيرِهِ، فَأخْبَرَ الله تَعَالَى أَنَّهُ يَمْتَحِنُهُمْ بِهَا، وَأَنَّ غَرَضَهُ أَنْ يَتُوبُوا وَأَنْ يَذَّكَّرُوا([10]). الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الله لاَ يُرِيْدُ شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي العِبَادِ، ولاَ يُحِبُّهَا ولاَ يَرْضَاهَا ([11]) والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الله لَوْ أَرَادَ شَيْئًا مِنْهَا لَمَا حَسُنَ مِنْهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ مِنْهُمْ الطَّاعَةَ لَمْ يَحْسُنْ مِنْهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ عَلَى فِعْلِهَا، بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُثِيبَهُمْ عَلَى فِعْلِهِمْ لِلطَّاعَاتِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ( وَمَا اللهُ يُرِيْدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ )، [غافر:31]، وقَالَ تَعَالَى( وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ )، [الزمر:7]، وقَالَ تَعَالَى:( وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ )،[البقرة:205] ([12]). الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ القُرْآنَ الَّذِيْ بَيْنَنَا كَلاَمُ اللهِ تَعَالَى وَوَحْيُهُ وتَنْزِيْلُهُ وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْلُومَ ضَرُورَةً مِنْ دِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ القُرْآنَ الَّذِيْ جَآءَ بِهِ كَلاَمُ الله تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلاَمٍ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ، وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ لاَ يُخْبِرُ إِلاَّ بِالصِّدْقِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ )،[التوبة:6]، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الَّذِيْ سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ هُوَ الَّذِيْ بَيْنَنَا والَّذِيْ نَتْلُوه([13]). الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ هَذَا القُرْآنَ مُحْدَثٌ غَيْرُ قَدِيْمٍ والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُرَتَّبٌ مَنْظُومٌ، يُوجَدُ بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً؛ أَلاَ تَرَى أَنٍَّ قَوْلَهُ: ( الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ )، [الفاتحة:2]، حُرُوفٌ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ؛ ومَا تَقَدَّمَهُ غَيْرُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا; لأَنَّ القَدِيْمَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَمَا يَأْتِيْهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ )، [الأنبيآء:2]، فَوَصَفَ اللهُ تَعَالَى الذِّكْرَ وَهُوَ القُرْآنُ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِيْ أَحْدَثَهُ; لأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَلامُهُ، وَالكَلاَمُ فِعْلُ الْمُتَكَلِّمِ؛ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ القُرْآنَ الْكَرِيْمَ مُحْدَثٌ غَيْرُ قَدِيْمٍ([14]). الْمَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ نَبِيٌّ صَادِقٌ والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْجِزَ الَّذِيْ هُوَ القُرْآنُ شرَّفَهُ اللهُ تَعَالَى قّدْ ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ عَقِيبَ دَعوَى النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً عِنْدَ كُلِّ مَن بَحَثَ عَن أَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ جَآءَ بِالقُرْآنِ وَتَحَدَّى العَرَبَ الَّذِينَ هُمُ النِّهَايةُ فِي الفَصَاحَةِ أَنْ يَأتُوا بِمِثْلِهِ، أَوْ يَعْتَرِفُوا بِصِدْقِهِ فِيْمَا ادَّعَاهُ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ العَرَبَ لَمْ يَأتُوا بِشَيْءٍ مِمَّا تَحَدَّاهُم بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ، بَلْ عَدَلُوا إِلَى مُحَارَبَتِهِ لَمَّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مُعَارَضَتِهِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قَدْ ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ، وإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ صِدْقُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ فِيْمَا ادَّعَاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ; لأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا لَمَا صَدَّقَهُ اللهُ تَعَالَى بالْمُعْجِزِ الَّذِيْ هُوَ القُرْآنُ; لأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَصْدِيقًا لِلْكَاذِبِ، وَذَلِكَ قَبِيْحٌ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يَفْعَلُ الْقَبِيْحَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَسَآئِلِ العَدْلِ؛ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ، وَوَجَبَ عَلَيْنَا تَصْدِيْقَهُ فِيْمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ نُبُوَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَآءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، وَمُوَافَقَتُهُ وَمُتَابَعَتُهُ فِيْمَا جَآءَ بِهِ مِنَ الأَحْكَامِ([15]). فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ مَعْرِفَتُهُ مِنْ مَسَآئِلِ العَدْلِ. الوَعدُ وَالوَعِيْدُ ْ: الْمَسْأَلَةُ الأُوْلَى: أَنَّ مَنْ وَعَدَهُ اللهُ بِالثَّوَابِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ فإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُسْتَقِيْمًا عَلَى إِيْمَانِهِ صَآئِرٌ إِلَى الْجَنَّةِ لاَ مَحَالَةَ، وَمُخَلَّدٌ فِيْهَا خُلُودًا دَآئِمًا فِي ثَوَابٍ لاَ يَنْقَطِعُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ تَوَعَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِالْعِقَابِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُصِرًّا عَلَى كُفْرِهِ، صَآئِرٌ إِلَى النَّارِ لاَ مَحَالَة، مُخَلَّدٌ فِيْهَا خُلُودًا دَآئِمًا([1]). الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أََنَّ مَنْ تَوَعَّدَهُ اللهُ بِالْعِقَابِ مِنَ الفُسَّاقِ، فَإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُصِرًّا عَلَى فِسْقِهِ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهُ النَّارَ وَيُخَلِّدُهُ فِيْهَا خُلُودًا دَآئِمًا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَصْحَابَ الكَبَآئِرَِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ. الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَابِتَةٌ قَاطِعَةٌ([6]) الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَأْمُرَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ . الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ هُوَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلام. ِالْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَهُ الحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ الْحَسَنِ أَخَوْهُ الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهُمُ السَّلاَمُ([15]). الْمَسْأَلـَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّ الإِمَامَة بَعْدَ الحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلام الْمَسْأَلَةُ الأُوْلَى: أَنَّ مَنْ وَعَدَهُ اللهُ بِالثَّوَابِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ فإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُسْتَقِيْمًا عَلَى إِيْمَانِهِ صَآئِرٌ إِلَى الْجَنَّةِ لاَ مَحَالَةَ، وَمُخَلَّدٌ فِيْهَا خُلُودًا دَآئِمًا فِي ثَوَابٍ لاَ يَنْقَطِعُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ تَوَعَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِالْعِقَابِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُصِرًّا عَلَى كُفْرِهِ، صَآئِرٌ إِلَى النَّارِ لاَ مَحَالَة، مُخَلَّدٌ فِيْهَا خُلُودًا دَآئِمًا([1]). والدَّلِيْلُ عَلَى صِحَةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْمَعْلُومَ ضَرُورَةً مِنْ دِيْنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ، وَيَعِدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِيْنَ. وَيَتَوَعَّدُ مَنْ خَالَفَهُ وَكَفَرَ بِمَا جَآءَ بِهِ بِالنَّارِ الَّتِي وَقُوْدُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِيْنَ([2]). وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ لاَ يَدِيْنُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يُخْبِرُ إِلاَّ بِالصِّدْقِ، فَصَحَّ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أََنَّ مَنْ تَوَعَّدَهُ اللهُ بِالْعِقَابِ مِنَ الفُسَّاقِ، فَإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُصِرًّا عَلَى فِسْقِهِ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهُ النَّارَ وَيُخَلِّدُهُ فِيْهَا خُلُودًا دَآئِمًا. والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِيْنَ فِيْهَا أَبَدًا )، [الجن:23]، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الفَاسِقَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ عَصَى اللهَ تَعَالَى، فَيَجِبُ أَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ وَيُخَلِّدُه فِيْهَا; لأَنَّ اللهَ تَعَالَى لا يُخْبِرُ إِلاَّ بِالصِّدْقِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيْدِ )، [ق:29]. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ أَنَّ أَصْحَابَ الكَبَآئِرَِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ : كَشَارِبِ الْخَمْرِ وَالزَّانِي وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمَا يُسَمَّوْنَ فُسَّاقًا ولاَ يُسَمَّوْنَ كُفَّارًا([3]) كَمَا هُوَ قَوْلُ الْخَوَارِجِ([4]); لأَنَّهُم لَوْ كَانُوا كُفَّارًا لَمَا جَازَ دَفْنُهُمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ولاَ مُنَاكَحَتُهُمْ ولاَ مُوَارَثَتُهُمْ، فَلَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَآئِزٌ دََّل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّوا كُفَّارًا. ولاَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّوْا مُؤْمِنِيْنَ كَمَا تَقُوْلُهُ الْمُرْجِئَةُ; لأَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي الشَّرِيْعَةِ يَجِبُ مَدْحُهُ وَتَعْظِيْمُهُ، وَالْفَاسِقُ لاَ يَجُوزُ مَدْحُهُ ولاَ تَعْظِيْمُهُ؛ فلاَ يَجُوزُ أَنْ يُسّمَّى مُؤْمِنًا؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ فُسَّاقًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمَ اسْمُ الْكُفْرِ وَالإِيْمَانِ([5]). الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَابِتَةٌ قَاطِعَةٌ([6]) وَلاَ تَكُونُ إِلاَّ لِمَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيَزِيْدُهُمُ اللهُ نَعِيْمًا إِلَى نَعِيْمِهِمْ وسُرُورًا إِلَى سُرُورِهِمْ([7]). وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( مَا لِلظَّالِمِيْنَ مِنْ حَمِيْمٍ وَلاَ شَفِيْعٍ يُطَاعُ )، [غافر:18]، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الْفَاسِقَ ظَالِمٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ لأَحَدٍ مِنَ الْفُسَّاقِ([8])، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ لَمْ تَبْقَ شَفَاعَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِيْنَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَمَا لِلظَّالِمِيْنَ مِنْ أَنْصَارٍ )، [البقرة:270]، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ لأَحَدٍ مِنْهُمْ؛ لأَنَّهُ لَوْ شَفَعَ لأَحَدٍ مِنْهُمْ لَكَانَ نُصْرةً لَهُمْ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ; لأَنَّهُ يَكُونُ تَكْذِيْبًا لِكَلامِ اللهِ تَعَالَى([9]). الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَأْمُرَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ مَتَى قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ أَمْرُهُ ونَهْيُهُ يُؤَدِّيَانِ إِلَى فِعْلِ مُنْكَرٍ غَيْرِ الَّذِيْ نَهَى عَنْهُ، أَوْ تَرْكِ مَعْرُوفٍ غَيْرِ الَّذِيْ أَمَرَ بِهِ([10]). والدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ( وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )،[آل عمران104]. وَوَجْهُ الاسْتِدْلاَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ يَكُونَ فِيْنَا مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ كَانَ وَاجِبًا لا يَجُوزُ تَرْكُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ )، [النور:63]، وَلا شَكَّ أَنَّ العَذَابَ لا يُصِيْبُ إِلاَّ مَنْ تَرَكَ مَا أَوْجِبَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَوْ فَعَلَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ([11]). الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ هُوَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامِ وَ الدَّلِيْلُ عَلَى إِمَامَتِهِ([12]) عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ يَوْمَ غَدِيْرِ خُمّ وَقَدْ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ: (أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ?)، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَن نَّصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ) ([13]). وَوَجْهُ الاسْتِدْلاَلِ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى إِمَامَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ جَعَلَهُ مَوْلَى لِلْكَآفَّةِ كَنَفْسِهِ. وَالْمَولَى هُوَ: الْمَالكُ لِلتَّصَرُّفِ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا مَوْلَى الدَّارِ، يُرَادُ بِهِ الَّذِيْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيْهَا، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ مَالِكُ التَّصَرُّفِ عَلَى الأُمَّةِ كَانَ إِمامًا; لأَنَّ الإِمامَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَى النَّاسِ بِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ إِمَامَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ بِالأَمْرِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ([14]). الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَهُ الحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلامُ الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ الْحَسَنِ أَخَوْهُ الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهُمُ السَّلاَمُ([15]). والدَّلِيْلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (الْحَسَنُ والْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا، وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا)([16])، وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الإِمَامَةِ لَهُمَا عَلَيْهُمَا السَّلامُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، إِلاَّ أَنَّا أَخْرَجْنَا زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، فَإِنَّ الأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلاَ لِغَيْرِهِمَا أَمْرٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلاَ لِغَيْرِهِمَا أَمرٌ فِي زَمَنِ أَبِيْهِمَا عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَمْرٌ فِي زَمَنِ أَخِيْهِ الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالإِجْمَاعِ، فَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الأَزْمِنَةِ دَاخِلاً تَحْتَ النَّصِ الْمَذْكُورِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ إِمَامَتَهُمَا عَلَيْهِمَا السَّلامُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيْبِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِالأَمْرِ مِمَّنْ أَخَذَهُ مِنْهُمَا كَمُعَاوِيَةَ وَيَزِيْدَ لَعَنَهُمَا اللهُ تَعَالَى لَعْنًا وَبِيْلاً([17]). الْمَسْأَلـَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّ الإِمَامَة بَعْدَ الحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلام فِيْمَنْ قَامَ ودَعَا الْخَلْقَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَكَانَ مِنْ وَلَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلامُ([18])، وَهُوَ جَامِعٌ لِخِصَالِ الإِمَامَةِ الَّتِي هِيَ: الْعِلْمُ بِمَا تحتاجُ إِلَيْهِ الأُمَّةِ فِي أُمُورِ دِيْنِهَا وَدُنْيَاهَا. وَالْوَرَعُ مِمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ. وَالْفَضْلُ فِي الدِّيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ أَوْ مِنْ جُمْلَةِ أَفَاضِلِهِمْ. وَالسَّخَآءُ بِوَضْعِ الْحُقُوقِ فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا، وَالشَّجَاعَةُ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعَهُ مِنْ قُوَّةِِ الْقَلْبِ مَا يَصْلُحُ مَعَهُ لِجِهَادِ أَعْدَآءِ اللهِ تَعَالَى. والقُوَّةُ عَلَى تَدْبِيْرِ أَمْرِ الأُمَّةِ بِحَيِْثُ يَكُونُ سَلِيْمًا فِي بَدَنِهِ مِنَ الآفَاتِ الْمَانِعَةِ لَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ اللهِ كَالْعَمَى وَغَيْرِهِ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ جَوْدَةِ الرَّأْيِ وحُسْنِ التَّدْبِيْرِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُفْزَعَ إِلَيْهِ فِي الْمَشُورَةِ وَالرَّأْيِ السَّدِيْدِ. وَلا خِلافَ بَيْنَ الأُمًّةِ أَنَّ الإِمَامَ يَجِبُ أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ الْمَذْكُورَةِ، وَمَتَى كَمُلَتْ فِيْهِ وَدَعَا الْخَلْقَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ إِجَابَتُهُ وَالْجِهَادُ مَعَهُ. وَ الدَّلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ قَولُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (مَنْ سَمِعَ وَاعِيَتَنَا([19]) أَهْلَ البَيْتِ فَلَمْ يُجِبْهَا كَبَّهُ اللهُ عَلَى مِنْخَرَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) ([20]). وَإِنَّمَا حَصَرْنَا الإِمَامَةَ فِي أَوْلادِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهُمَا السَّلامُ لأَنَّ الأُمَّةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِهَا فِيْهِمْ وَاخْتَلَفَتْ فِيْمَنْ سِوَاهُمْ بَعْدَ بُطْلانِ قَولِ الإمَامِيَّةِ بِالنَّصِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلام([21]); لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا ادَّعَوْهُ مِنَ النَّصِ صَحِيْحًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا مَشْهُورًا عِنْدَ جَمِيْعِ الْمُكَلَّفِينَ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا وَجَبَ نَفْيُهُ([22]). فَثَبَتَ أَنَّ الأُمَّةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِهَا فِيْهِمْ، وَاخْتَلَفَتْ فِيْمَنْ سِوَاهُم، فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ الإِمَامَةَ جَآئِزَةٌ فِي جَمِيْعِ قُرَيْشٍ. وَقَالَتْ الْخَوَارِجُ: إِنَّهَا جَآئِزَةٌ فِي جَمِيْعِ النَّاسِ؛ وَلا شَكَّ أَنَّ أَوْلادَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ مِنْ خِيَارِ قُرَيْشٍ وَمِنْ خِيَارِ النَّاسِ، فَقَدْ أَخَذْنَا بِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةَ وَتَرَكْنَا مَا اخْتَلَفَتْ فِيْهِ; لأَنَّهُ لا دَلِيْلَ عَلَيْهِ، وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ حُجَّةٌ وَاجِبَةٌ الاتِّبَاعُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (لَنْ تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةٍ) ([23])، وَإِذَا لَمْ تَجْتَمِعْ عَلَى ضَلالَةٍ كَانَ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِ الإِمَامَةِ فِِي أَوْلادِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهُمَا السَّلامُ. ([24]) خَـاتِمَةٌ: وَبَعْدُ فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُخْتَصَرَةٌ يَلْزَمُ كُلَّ مُكَلَّفٍ مَعْرِفَتُهَا وَتَدَبُّرِ أَدِلَّتِهَا، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ فِيْهَا؛ لأَنَّ التَّقْلِيْدَ فِي أُصُولِ الدِّيْنِ قَبِيْحٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ: (مَنْ أَخَذَ دِيْنَهُ عَنِ التَّفَكُرِ فِي آلآءِ اللهِ وَعَنِ التَّدَبُّرِ لِكِتَابِ اللهِ، وَالتَّفَهُّمِ لِسُنَّتِي - زَالَتْ الرَّوَاسِي وَلَمْ يَزُلْ. وَمَنْ أَخَذَ دِيْنَهُ عَنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ وَقَلَّدَهُمْ فِيْهِ ذَهَبَ بِهِ الرِّجَالُ مِنْ يَمِيْنٍ إِلَى شِمَالٍ وَكَانَ مِنْ دِيْنِ اللهِ عَلَى أَعْظَمِ زَوَالٍ)([1])، وَصَدَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ؛ لأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا قَلَّدَ فِي أُصُولِ دِيْنِهِ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ مِنْ طَرِيْقِ النَّجَاةِ الَّتِي هِيَ مَنْزِلَةُ أَصْحَابِ اليَمِينِ إِلَى طَرِيْقِ الْهَلاكِ الَّتِي هِيَ مَنْزِلَةُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ؛ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي صِحَّةِ دِيْنِهِ، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ دَقَّ فِي الدِّيْنِ نَظَرُهُ جَلَّ يَومَ القِيَامَةِ خَطَرُهُ) ([2])، فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُونَ الْقَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ، وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ. [وصلى الله على محمد وآله وسلم ] |
رد: هذا كتيب صغير الحجم كثير الفائده
كتاب جميل يستحق الحفظ الله يجزاك خير يا أبو أميرة
|
رد: هذا كتيب صغير الحجم كثير الفائده
نقول على بركة الله
|
رد: هذا كتيب صغير الحجم كثير الفائده
على بركة الله
|
رد: هذا كتيب صغير الحجم كثير الفائده
بارك الله فيك يا أبو أميرة على مشارتك بهذا الكتاب العظيم , وأحسن الله إليك , ورزقنا وإياك الجنة .........وتستحق التقييم.
|
رد: هذا كتيب صغير الحجم كثير الفائده
بارك الله فيك ونفعنا و إياك بما علمنا و ادعوا لي بالإعانة على حفظه
|
رد: هذا كتيب صغير الحجم كثير الفائده
الجائزة 500 ريال للفائز الأول فقط
آخر موعد 25 صفر القادم من لديه الرغبة في الحفظ يتواصل معي أو مع أبي أميرة عبر الرسائل الخاصة للتفاهم حول طريقة التسميع |
| الساعة الآن 10:38 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Trans
ضاوي الغنامي تواصل::dawi ® طيور الامل © 1,0
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
e3laN by kashkol